للناس مذاهب شتى حين يحتفلون بقدوم السنة الميلادية الجديدة... هناك من يحتفل بعيد رأس السنة باقامة مهرجانات منزلية حافلة بالمآكل والمشارب والبلونات ... وبالطراطير في بعض الاحيان ــ وهناك من يعتصم بحبل الحكمة فيحتفل متأملا عبرة عام مضى وآمال عام جديد... وهناك من يلجأ الى منطق الجرد والفرز والاجراءات المحاسبية فهو يجرد دفاتر الذي فات ويرصد بنودا للآتي بكل ما يحفل به من مسؤوليات ووعود. صديقنا (ح) يحتفل برأس السنة على طريقته الخاصة... وهي طريقة لا يحيد عنها قيد أنملة مع قدوم كل عام... انه يقيم مأدبة تتصدرها طواجن الفريك واصناف من البابا غنوج وقد استقرت في قعر مجمع حفروه في باطن باذنجانة ضخمة, ناهيك عن اصناف المحمرات والمجمرات من نوعيات اللحوم والطيور... وكل هذا لا يهم صديقنا العزيز قدر ما يهمه (النمرة الكبيرة) كما يسميها او هي ذروة الاحتفال السنوي العتيد وهي حكاية رأس السنة... التي لا يمل صاحبنا (ح) من روايتها بغير انقطاع مع مطلع كل عام حتى اصبحت الحكاية اياها بمثابة المقرر التعليمي او محفوظات الاناشيد المدرسية التي يحفظها الملأ عن ظهر قلب بكل تفاصيلها وحواشيها, ليستوي في ذلك اصدقاؤه وافراد اسرته الصغيرة على السواء. رأس السنة يوافق ايضا احتفال صديقنا بعيد زواجه السعيد وقد ارتبطت الليلة الاولى لهذا الزواج بمغامرة تصلح تماما لفيلم من افلام الاربعينات او الخمسينات ذات المغامرات الساذجة وقد نختار له عنوانا من قبيل: (اسماعيل ياسين في رأس السنة) تبدأ الحكاية بأن توكل صديقنا الشاب وقتها على الحي الذي لا يموت وقرر ان يكمل نصف دينه ويتزوج. كان ذلك منذ بضعة وعشرين عاما, وكنا نعمل سويا ضمن مجموعة منتقاة بعناية في مكتب سياسي مهم برئاسة الجمهورية بالقاهرة, وبعد مداولات ومشاورات على (مستوى القمة) والقاعدة ايضا, انتهى العريس الى اختيار ليلة رأس السنة موعدا للزفاف المرتقب السعيد, ولكن مستوى القمة في المشاورات (وهو الحماة بالطبع) اشترط ان يقام حفل الزفاف في الاسكندرية, على ان ينتقل العروسان بعد الحفل الى مدينة طنطا, في وسط دلتا النيل حيث اسرة الزوج التي اعدت لهما مكانا وثيرا ــ بمقاييس تلك الايام ــ يمضيان فيه الايام الاولى من شهر العسل. ولان العريس كان يشتغل بالسياسة, فقد اطمأن الى هذا الحل التفاوضي الذي انتهى اليه بتوافق الآراء ومن باب التوفيق والمواءمة على عادة كبار الساسة, بين شروط القمة ــ اهل الزوجة وشروط القاعدة وهم الزوج الهمام عريس الغفلة كما يقول المصريون, هذا ان جاز للقاعدة اصلا ان يكون لها شروط ولان العريس كان يشتغل بالسياسة, فقد كانت دراهمه, كما كانت دراهمنا نحن, قليلة وضنينة. فما بالك وقد انهكتها مصاريف اثاث البيت الجديد وتكاليف حفل الزفاف السكندري السعيد. هنالك برزت مشكلة وسيلة توصيل العروسين من الاسكندرية الى طنطا, عبر مسافة في حدود مائة كيلو متر قد تقل او تزيد عند الفرع الغربي لنهر النيل. واذ المح العريس الى ان القطار ركوبة معقولة مالبث ــ المسكين ــ ان لمح اكثر من عين حمراء من جانب الاصهار الجدد المحترمين الذين ترافعوا في القضية بمهارة يحسدون عليها... مدللين على ان قطارات منتصف الليل هي من النوع القشاش الذي يكاد ينعس خلال سيره ويقف عند محطات القرى والدساكر والنجوع فضلا عن انه قطار درجة ثالثة خشبي المقاعد ولا يليق بالعروس الشابة التي تدخل في عداد الناعمات الغيد كما وصفهن شوقي بك... فما بالك ــ اعزك الله ــ والعروس سوف ترتدي فستانها الابيض المشغول بزخارف التلي والترتر الانيق الملون وسوف تتوج هامتها بطرحة الزفاف كي تكتمل لها اسباب الزينة والابهة ومظاهر الابهار. وربما طرح صاحبنا (ح) مشكلته العويصة على مسؤولي المكتب الرئاسي في القاهرة ــ ولو من باب الفضفضة وتفريج الهموم ــ وهنا جاءه الحل السعيد حين أمر السيد الوزير رئيس المكتب وكان مستشارا للزعيم عبد الناصر, بأن توضع احدى سيارات الرئاسة تحت امر المذكور ــ العريس ــ وتقدم له مع سائقها ــ الرئاسي ايضا ــ كي توصله وزوجته الجديدة بين الاسكندرية والقاهرة. وكان هذا فتحا ولا فتح عمورية, وكان نصرا ولا نصر الجنرال الفيتنامي جياب في (ديان بيان فو) . ولسنا نشك في ان الشباب من اعضاء المكتب قد رمقوا زميلهم (ح) بعين الحسود الذي لا يسود كما يكتبون على دكاكين الارياف... كيف لا وهاهو (ح) ينعم بسيارة فارهة سوداء ماركة (نصر 2300) ويقودها سائق وهم في معظمهم من اهل المترو او الباصات, وقصاراهم ان يتميزوا فيركبوا الدرجة الاولى في الباص ويدفعون في المقابل قرشا او قرشين, فربما يعتبرهم الناس من اهل الحظوة والحيثية في تلك الايام. كم كان العريس يستجعل انتهاء حفل الزفاف, وكم كان يتطلع الى ان يراه كل اهل الحي السكندري, وخاصة أسرة الزوجة الشابة اذ ينهض سائق الرئاسة فيفتح باب السيارة ستيشن السوداء فيدلف الى دفئها الوثير جناب العريس في بدلته الغامقة وقميصه الناصع الابيض ومن قبله ربة الصون والعفاف في إهابها الابيض وكامل زينتها المتألقة... وهو ما حدث بالتمام والكمال وسط زغاريد الصبايا ونظرات اعجاب من اهل الحي تشي في مجملها بتقدير كامل لأهمية العريس وعلو مركزه في الهيئة الاجتماعية الموقرة. اذن فقد باضت لك في القفص... ونلتها يا عم (ح) : هذه ليلة العمر حقا: احتفالات رأس السنة وحفل زفاف وسيارة من الرئاسة الجمهورية تتهيأ للانطلاق... وثيرة, دافئة, فارهة تفرش انوارها المبهرة جنبات الطريق الصحراوي, والسائق ــ عبد المنعم ــ بجسمه الهائل يزيد المنظر ابهة واهمية. لكن ما هذا الصوت الغريب الذي نسمع يا عم عبد المنعم؟... ولا يهمك يا بيه... الرادياتير تعبان شوية ــ وربنا يتمم بخير... معلهش. على هذا المنوال ــ مضت وتيرة الحوار بين العريس والسائق وظل موضوعها يتراوح بين ما يسمعه العروسان من خشخشة وطرطشة وفرقعة وقعقعة ودمدمة وزمزمة تصدر من احشاء السيارة... وبين ما يجيب به السائق من تشخيص للاعطال الميكانيكية التي اصابت المروحة او الوابور او البطارية أو... أو... أو... الف مبروك يا بيه... و... ومعلهش. وادلهم ظلام الليل... وبدأ النعاس من فرط الاجهاد يداعب اجفان العروس, وربما راودت لحظة من نوم عيون صاحبنا (ح) ... ولكنه استيقظ فجأة على صوت ارتطام ولا صور الحشر... وبعده توقفت السيارة تماما عند مدخل طنطا على الطريق الزراعي الخالي من الناس ــ ايه الحكاية يا عبد المنعم؟... دخلنا في طنطا؟ وانت الصادق يا بيه... دخلنا في شجرة... اصل الانوار لا مؤاخذة, تعطلت! ثم تكشفت من بعد فصول الدراما هي سيارة رئاسية نعم. لكنها حكومية بيروقراطية, في المقام الاول... مظهرها الخارجي يعجب الناظرين, ولكن موتورها يصعب على الكافر, عانقت بقوة تحسد عليها شجرة سنديان اوقفت محركها عن الدوران وفي داخل السيارة عروس في ثوب زفاف ابيض, وعند مقدمة السيارة وقف عريس يرتدي البيبيون وهو في حال لا يحسد عليه من قلة الحيلة... فيما هرع السائق الى اقرب محلة سكنية يطلب ما يتيسر من العون لزوم الانقاذ. وربما جادت السماء ساعتها ــ ونحن في اول يناير الفضيل ــ بقطرات ندى وزخات مطر نيلي خفيف ــ مشبعا بالرطوبة واثار الغبار... وكان ان تحول ثوب الزفاف الى رداء منقط اقرب الى بدلة جنود الصاعقة. وتحول قميص العريس الى ثوب مزركش على يد رسام سيريالي بعد ان علته خطوط المطر والعرق والتراب. وعندما جاء السائق بكبير الخبراء ــ ميكانيكي الضاحية القروية الساذجة, افتى الكبير... بأن المسألة تحتاج الى وقت اطول مما يتصورون... واصبح الامر يقتضي تحريك العروس الى موقع معقول في الحلة الريفية بعيدا عن غبار الطريق وهباب التصليح وقطرات المطر... وعيون الفضوليين... لكن... يا لطيبة اهل الريف في كل مكان. لقد تنفس صبح الاول من يناير ــ وبدأت خيوط الشمس تتسلل على استحياء ومعها تخرج جموع من فتيات ونساء الى مكان الموقعة... يأخذن بيد العروس الشابة في دعوة الى بيوتهن البسيطة وساعتها شهد المكان ــ عروسا في ثوب زفاف تروض قدميها على المشي الوئيد حتى لا تغرس في وحل الطريق وقد حفت بها قرويات يطلقن الزغاريد احتفاء بعروس لا يعرفن حتى اسمها... ومن خلفها العريس (ح) يحمل شنطة منتفخة في يد ويحمل طرحة العروس في اليد الاخرى... يخوض بدوره في وحل الشارع الريفي ومن حوله تتصاعد دعوة من هنا وعزومة من هناك يهتف بها رجال الحلة الريفية وشبابها كي يتفضل بتشريف بيوتهم و...صباحية مباركة يا عريس! وقبل ان يرتد اليه طرفه, وفيما بدأ الخبير الميكانيكي يتعامل مع احشاء السيارة الرئاسية العجوز... أخلدت العروس الى مصطبة غطوها بأغلى ما يملكون من وسائد وحشايا, وجلس (ح) على حصير (فاخر) في صحن الدار التي بدأت تتصاعد منها أدخنة الفرن مشتعلا واعدا بوجبة فطير صباحية يسميه اهل الدلتا (فطير خطف) وهو المرادف ــ كما قد نظن ــ لما يعرفه الامريكان بأنه (فاست فود) او وجبات الطعام السريع... ومع عبير شاي النعناع ومذاق فطير الصباح السريع ــ ودفء الحفاوة العفوية وزغرودة هنا وبسمة ودود هناك... امضى العروسان اولى ساعات حياة الزوجية التي امتدت كما المحنا لك الى حيث تقارب الثلاثين بعد عام او عامين باذن الله.