قد تهبط في لندن صباحاً بعد رحلة ليلية من نيويورك، لكن جسدك لا يزال يتصرف وكأن الليل لم ينتهِ بعد، تشعر بالإرهاق، ويتراجع تركيزك، وقد تفقد شهيتك أو تضطرب معدتك، وفي رحلة العودة غرباً، يظهر التعب أيضاً، لكنه غالباً ما يكون أسهل في التجاوز.
الأمر ليس مجرد انطباع شخصي، ولا يعود فقط إلى ساعات طويلة قضيتها في مقعد الطائرة، فاضطراب الرحلات الجوية الطويلة، المعروف بـ"Jet Lag"، يرتبط أساساً بمحاولة الجسم التوفيق بين ساعته البيولوجية والتوقيت الجديد بعد عبور عدة مناطق زمنية. واللافت أن هذه المهمة تصبح أكثر صعوبة عند السفر شرقاً.
ساعة في الدماغ لا تعمل على 24 ساعة تماماً
في منطقة تحت المهاد بالدماغ توجد مجموعة صغيرة من الخلايا تُعرف بـ"النواة فوق التصالبية"، وتؤدي دور الساعة الرئيسية للجسم، فتساعد على تنظيم دورات النوم والاستيقاظ وغيرها من الإيقاعات اليومية.
ويعيد الضوء ضبط هذه الساعة باستمرار لتظل متوافقة مع الليل والنهار، لكن عندما تغيب الإشارات الخارجية، تشير الدراسات الواردة في النص إلى أن دورة الساعة الداخلية تميل لأن تكون أطول قليلاً من 24 ساعة، بفارق يُقدّر بنحو 20 دقيقة إلى نصف ساعة. وهنا يكمن جزء مهم من تفسير الاختلاف بين السفر شرقاً وغرباً.
فعندما نسافر غرباً، نحتاج عادة إلى تأخير موعد النوم والبقاء مستيقظين لوقت أطول، أي إطالة يومنا، وهو اتجاه يتماشى نسبياً مع الميل الطبيعي للساعة البيولوجية.
أما عند السفر شرقاً، فيحدث العكس، فيتوجب على الجسم النوم والاستيقاظ في وقت أبكر، وكأنه مطالب بتقصير يومه، الأمر الذي يجعل عملية التكيف أكثر صعوبة.
وكما يلخص الباحث في النوم تشارلز تشايزلر الفكرة، فإن النوم في موعد أبكر من المعتاد أصعب على الجسم من تأخير موعد النوم.
ست مناطق زمنية.. والفارق قد يصبح يومين
حاول فريق بقيادة عالمة الفيزياء ميشيل جيرفان، من جامعة ماريلاند، تفسير الظاهرة رياضياً في دراسة نُشرت عام 2016 في دورية Chaos.
وقد يستغرق التعافي من رحلة تعبر ثلاث مناطق زمنية أقل قليلاً من أربعة أيام عند السفر غرباً، مقابل أكثر من أربعة أيام في الاتجاه الشرقي.
ويصبح الاختلاف أكثر وضوحاً عند عبور ست مناطق زمنية، نحو ستة أيام للتكيف غرباً، في مقابل ثمانية أيام تقريباً شرقاً.
وتشير جيرفان إلى أن الطريقة التي نختبر بها اضطراب الرحلات ترتبط بالفارق بين الدورة الطبيعية للساعة الداخلية للجسم واليوم القياسي البالغ 24 ساعة.
المشكلة لا تقتصر على الدماغ
لا تعمل أعضاء الجسم كلها وفق توقيت واحد يعاد ضبطه بالسرعة نفسها، فالكبد، على سبيل المثال، لديه إيقاعه الخاص، وقد يحتاج إلى وقت مختلف لإعادة التزامن مع الساعة الرئيسية للجسم.
لهذا، وبعد الرحلات الطويلة، تبدو أجزاء مختلفة من الجسم وكأنها لا تزال تعيش في مناطق زمنية متباينة.
والنتيجة لا تقتصر على الشعور بالنعاس، فقد تظهر أيضاً صعوبة في التركيز وصداع واضطراب في الشهية أو الجهاز الهضمي، إلى جانب اضطراب مواعيد النوم.
الضوء.. أقوى وسيلة لإعادة ضبط الساعة
إذا كان هناك عامل واحد يلعب الدور الأبرز في مساعدة الجسم على التأقلم مع التوقيت الجديد، فهو الضوء.
بعد السفر شرقاً، يساعد التعرض لضوء الصباح على تقديم الساعة البيولوجية لتقترب من توقيت الوجهة الجديدة، أما بعد السفر غرباً، فيساعد ضوء المساء على تأخيرها.
لكن المسألة لا تتعلق بكمية الضوء وحدها، بل بتوقيت التعرض له أيضاً، فالتعرض للضوء في الوقت غير المناسب قد يدفع الساعة البيولوجية في الاتجاه العكسي ويطيل فترة التكيف.
ويمكن الاستعداد للرحلة مسبقاً بتحريك موعد النوم ساعة أو ساعتين تدريجياً خلال الأيام التي تسبق المغادرة.
ويشير النص كذلك إلى إمكانية الاستفادة من الميلاتونين في بعض الحالات، مع اختلاف تأثيره بحسب الجرعة والتوقيت وضرورة استشارة الطبيب أولاً، أما الحبوب المنومة قصيرة المفعول، فقد تساعد على النوم لكنها لا تعيد ضبط الساعة البيولوجية نفسها، فيما قد يزيد الإفراط في الكافيين المشكلة سوءاً.
بالنسبة إلى أطقم الطائرات.. المسألة تتعلق بالسلامة
ما يمثل إزعاجاً للمسافر العادي يصبح أكثر أهمية بالنسبة إلى الطيارين وأطقم الضيافة في الرحلات الطويلة، إذ يرتبط الإرهاق لديهم بمسألة السلامة.
ولهذا تخضع فترات الطيران والعمل لقواعد تهدف إلى إدارة التعب والإرهاق. وفي الرحلات التي تتخللها فترات توقف قصيرة، قد يختار أفراد الطاقم البقاء وفق توقيت موطنهم بدلاً من محاولة التأقلم كلياً مع توقيت الوجهة، خصوصاً إذا كانت رحلة العودة ستبدأ قبل أن يكتمل هذا التأقلم.
شرقاً ابدأ يومك مع الشمس
بالنسبة إلى المسافر العادي، يمكن اختصار الأمر في قاعدة بسيطة: إذا اتجهت غرباً، اسمح ليومك بأن يطول قليلاً. أما إذا اتجهت شرقاً، فحاول الاستفادة من ضوء الصباح في وجهتك الجديدة، وتجنب الاستسلام لقيلولة طويلة بعد الظهر.
لن تختفي آثار الرحلة فور الهبوط، فالجسد يحتاج إلى وقت حتى يلحق بعقارب الساعة في المكان الجديد، لكن فهم آلية عمل الساعة البيولوجية، واستخدام الضوء في التوقيت الصحيح، قد يجعلان الانتقال بين المناطق الزمنية أقل إرهاقاً.