في تجربة علمية غير مألوفة، أنزل باحثون ثلاثة تماسيح أمريكية نافقة إلى قاع خليج المكسيك، على عمق يقارب ألفي متر، لمعرفة كيف ستتعامل كائنات الأعماق مع جثث قادمة من خارج بيئتها المعتادة. لكن ما كشفته التجربة كان أبعد من مجرد التهام الجيف؛ إذ ظهرت ديدان «زومبي» تتغذى على العظام، في أول رصد موثق لها في المنطقة، بينما اختفى التمساح الثالث.

خلال أقل من يوم، بدأت قشريات عملاقة باختراق جلد أحد التماسيح والوصول إلى لحمه، وبعد 51 يوماً لم يبقَ من تمساح آخر سوى العظام، التي غطتها ديدان صغيرة مائلة إلى الحمرة تستمد غذاءها من الدهون داخلها.

أما المفاجأة الأكثر غموضاً، فكانت اختفاء التمساح الثالث بعد ثمانية أيام، رغم بقاء الحزام والحبل والثقل في الموقع. ورجّح الباحثون أن يكون حيوان بحري كبير، ربما قرش، قد سحب الجثة، لكنهم لم يتمكنوا من تحديد ما حدث على وجه اليقين.

نُفذت التجربة عام 2019 على يد فريق من الباحثين المرتبطين بمؤسسات علمية أمريكية، ونُشرت نتائجها في دورية «PLOS ONE» في ديسمبر من العام نفسه. وكان الهدف فهم الدور الذي قد تؤديه جثث الحيوانات القادمة من اليابسة أو المياه العذبة في تغذية النظم البيئية العميقة، حيث يقل الغذاء الواصل من سطح المحيط وتصبح كل وجبة كبيرة مورداً مهماً للكائنات التي تعيش في الظلام.

اختار الباحثون ثلاثة تماسيح أمريكية، وثبتوا كل جثة بأوزان ومعدات تتيح إنزالها إلى القاع ومراقبتها. وافترضوا أن جلد التمساح السميك قد يبطئ وصول الكائنات البحرية التي تتغذّى على الجيف إلى الأنسجة الرخوة، لكن الملاحظات أظهرت أن الجوع في الأعماق قادر على تجاوز هذا الحاجز.

خلال أقل من يوم، تجمعت حول الجثة الأولى قشريات عملاقة تُعرف باسم متساويات الأرجل، وبدأت اختراق الجلد والوصول إلى اللحم من الداخل. وفي غضون 43 ساعة من إنزالها، كانت الكائنات قد بدأت بالفعل في استهلاك الجثة، في مشهد أظهر سرعة استجابة الحيوانات البحرية لأي مصدر غذاء مناسب.

أما الجثة الثانية، فقد تحولت خلال 51 يوماً إلى بقايا عظمية؛ إذ اختفت الأنسجة الرخوة ولم يبقَ سوى الجمجمة والعمود الفقري. وبين العظام، رصد الباحثون طبقة بنية مائلة إلى الحمرة من ديدان صغيرة تنتمي إلى جنس «أوسيداكس»، المعروف باسم «الديدان الزومبي» بسبب تخصصه في استهلاك العظام. وكانت هذه أول مشاهدة موثقة لهذا الجنس في خليج المكسيك، وأكدت الدراسة أن العينة تمثل نوعاً جديداً على العلم.

لا تلتهم هذه الديدان العظام بالطريقة المعتادة؛ فهي تستقر عليها وتستفيد من الدهون الموجودة داخلها، في عملية تساعد على إعادة تدوير المواد العضوية ونقل الطاقة إلى شبكة الغذاء في قاع البحر. وهكذا تحولت جثة التمساح إلى دليل على أن بقايا الحيوانات البرية قد تدعم الحياة في أعماق المحيط بطرق لم تكن معروفة محلياً.

المفاجأة الأكثر غموضاً

لكن المفاجأة الأكثر غموضاً ظهرت عند فحص موقع التمساح الثالث بعد ثمانية أيام. لم يجد الفريق الجثة، بل عثر على الحزام والحبل والثقل، وقد تحركت بعض المعدات نحو ثمانية أمتار، فيما بدا أن الحبل قُطع بالعض. ورجح الباحثون أن يكون حيوان بحري كبير، ربما قرش، قد سحب الجثة واستهلكها، لكنهم لم يشاهدوا مباشرة، لذلك بقي التفسير احتمالاً لا حقيقة مؤكدة.

أظهرت التجربة أن قاع البحر ليس بيئة معزولة عن اليابسة؛ فالجيف التي تصل إليه يمكن أن تصبح وجبات ثمينة، وتكشف عن كائنات غير متوقعة ومسارات جديدة لانتقال الطاقة. كما برهنت النتائج أن مصير الجثة الواحدة قد يختلف كثيراً عن الأخرى، حتى في بيئة متشابهة. وتمنح هذه النتائج العلماء فرصة لفهم أثر الفيضانات التي تحمل الحيوانات إلى البحر.