عاش في المياه الضحلة قبل نحو 300 مليون سنة، بجسم غريب وعينين مثبتتين على خرطوم طويل، وزائدة أخرى تنتهي بفم يشبه الملقط. ورغم مرور ستة عقود على وصفه علمياً، لا يزال «وحش تولي» أحد أكثر الكائنات الأحفورية إثارة للحيرة، إذ لم يحسم العلماء بعد هويته الحقيقية.

يُعرف هذا الكائن باسم «توليمونستروم غريغاريوم» (Tullimonstrum gregarium)، أو «وحش تولي»، وقد عاش في المنطقة التي تُعرف اليوم بولاية إلينوي الأميركية. وعُثر على آلاف أحافيره في تكوين مازون كريك الصخري، الذي اشتهر بحفظ بقايا كائنات قديمة بتفاصيل استثنائية.

ولا تكمن أهمية هذا المخلوق في مظهره الغريب فحسب، بل في السؤال الذي يطرحه على العلماء: هل كان من الفقاريات، مثل الأسماك، أم من اللافقاريات، مثل الرخويات والديدان؟

يتميز "وحش تولي" بجسم انسيابي يشبه الدودة أو السمكة، وفتحات على جانبيه تشبه الخياشيم. أما أكثر أجزائه غرابة، فهو خرطوم طويل يحمل عينين عند طرفيه، إلى جانب زائدة طويلة في مقدمة الجسم تنتهي ببنية تشبه الملقط، وذيل يشبه الزعنفة في الخلف.

وعندما وُصف الكائن للمرة الأولى عام 1966، واجه العلماء صعوبة في تصنيفه، إذ لم يكن يشبه بوضوح أي مجموعة معروفة من الحيوانات الحية.

وعلى مدار السنوات، طُرحت تفسيرات متعددة لطبيعته، بينها أنه رخوي يشبه الحلزون لكنه يسبح من دون صدفة، أو نوع من الديدان، أو أحد الحبليات، وهي مجموعة تضم حيوانات تمتلك، في مرحلة من مراحل حياتها، بنية داعمة تمتد على طول الظهر، وتشمل الفقاريات مثل الأسماك والثدييات.

هل كان وحش تولي سمكة غريبة؟

في عام 2016، قدمت عالمة الحفريات فيكتوريا مكوي وزملاؤها تحليلا تشريحيا رجّح أن يكون وحش تولي من الفقاريات. وفسّر الفريق الزائدة الشبيهة بالملقط على أنها فم مزود بأسنان، والفتحات الجانبية على أنها خياشيم، كما أشار إلى وجود بنية يُحتمل أن تكون شبيهة بالعمود الفقري.

وفي دراسة أخرى نُشرت في العام نفسه، رأى الباحثون أن عينيه تحملان خصائص تشبه عيون الفقاريات.

لكن هذه الفرضية لم تحظَ بإجماع علمي؛ ففي عام 2017، اعترض فريق بحثي آخر على هذا التصنيف، معتبرًا أن عددًا من السمات التشريحية للكائن قد يشير إلى أنه من اللافقاريات.

ومع استمرار الخلاف، اتجهت مكوي إلى وسيلة مختلفة للإجابة عن السؤال، بالتعاون مع ياسمين ويمّان، المتخصصة في التحليل الكيميائي للأحافير في جامعة ييل الأميركية. تعتمد الفكرة على أن الأنسجة الرخوة تتحلل خلال عملية التحجر بطرق تختلف باختلاف تركيبها الكيميائي، وقد تحتفظ الأحافير بآثار تساعد الباحثين على استنتاج طبيعة الكائن الأصلي.

ودرس الفريق 32 عينة من تكوين مازون كريك، وقارن بين البصمات الكيميائية لأحافير كائنات معروفة من الفقاريات واللافقاريات. وبحسب نتائج الدراسة، ظهر وحش تولي أقرب إلى مجموعة الفقاريات.

وترى مكوي أن أقرب أقربائه الأحياء قد يكونون الأسماك عديمة الفك، مثل الجلكيات وأسماك الهاجفيش، فيما قد يكون شكله غير المألوف تكيفًا مع نمط حياة متخصص، كالتقاط الديدان من قاع البحر، لكن هذا التفسير لا يزال موضع نقاش.

تعتقد عالمة الحفريات ماريا ماكنمارا من جامعة كوليدج كورك في أيرلندا أن النتائج الكيميائية مثيرة للاهتمام، لكنها قد تكون تأثرت بالظروف الاستثنائية التي حفظت أحافير مازون كريك، والتي ربما أدت إلى اختلافات في التركيب الكيميائي للأنسجة المتحجرة.

وأشارت دراسات أخرى، اعتمدت على تحليل المعادن الموجودة في عيون الكائن، إلى احتمال انتمائه إلى رأسيات الأرجل، وهي مجموعة من اللافقاريات تضم الأخطبوط والحبار، وفقا لموقع"dailygalaxy".

من جهته، يرى روبرت سانسوم من جامعة مانشستر، الذي شارك في إعداد دراسة عام 2017، أن صعوبة تصنيف وحش تولي تكمن في غرابة صفاته، سواء قورن بالرخويات أو بالفقاريات؛ فهو لا يشبه بوضوح أيًا من المجموعتين.

لغز قد لا يُحل

حتى الآن، لا يوجد اتفاق نهائي على الهوية التطورية لوحش تولي، وقد يكون العثور على أحافير لكائنات قريبة منه هو المفتاح لحسم الجدل.

ويعتقد الباحثون أنه لا بد أن تكون لهذا المخلوق أسلاف، لكن لم يُعثر حتى الآن على كائنات يمكن ربطها به بصورة واضحة. وتزيد ندرة المواقع التي تحفظ الأنسجة الرخوة من صعوبة العثور على أدلة جديدة.