في مشهد نادر يكشف جانبا خفيا من الحياة في أعماق المحيط، نجح باحثون في توثيق سمكة حلزونية تسبح إلى الخلف قبالة سواحل غرينلاند، على عمق يبلغ نحو 260 مترا تحت سطح الماء. وجاء التسجيل ضمن دراسة علمية استخدمت كاميرا سلبية الإزعاج وميكروفونا مائيا لرصد الكائنات البحرية وأصواتها في قاع مضيق جليدي، مع الحرص على عدم التأثير في النظام البيئي أو جذب الحيوانات البحرية الكبيرة.
وفي دراسة جديدة تناولت قاع مضيق جليدي يُعرف باسم «إنغلفيلد بريدنينغ» في غرينلاند، استخدم فريق من الباحثين كاميرا فيديو متزامنة مع ميكروفون مائي، بهدف التعرف إلى الكائنات التي تعيش في هذه المياه ودراسة الأصوات الصادرة عنها.
وأتاح تشغيل الكاميرا والميكروفون معا لمدة أسبوع فرصة لمراقبة قاع البحر عن قرب، كما ساعد الباحثين على اختبار مدى تفاعل حيتان النروال، المعروفة أيضا باسم الحيتان وحيدة القرن، مع هذه المعدات. وكان احتمال اقتراب هذه الحيتان من أجهزة الرصد مصدر قلق سبق أن طُرح عند استخدام تجهيزات أخرى في البيئات البحرية.
ولذلك، صُمم النظام بأكمله ليكون سلبيا قدر الإمكان، وألا يتسبب في إزعاج الكائنات أو تغيير سلوكها الطبيعي. وشمل ذلك استخدام إضاءة حمراء يُفترض أنها تقلل التأثير في عيون الحيوانات البحرية، فضلًا عن الحد من احتمال جذب الكائنات البحرية الكبيرة، التي سبق أن ظهرت في تجارب مماثلة بصورة غير متوقعة. فبعض التجارب السابقة، على سبيل المثال، رصدت حيوانات بحرية كبيرة مثل الفقمات وهي تُظهر سلوكيات لافتة بالقرب من معدات البحث في أعماق البحر.
في الأول من أغسطس 2025، أنزل الباحثون نظام التسجيل إلى المياه من على متن قارب، ليستقر على عمق يقارب 260 مترًا، أي نحو 853 قدمًا. واختير الموقع بعناية لأنه يُعد من المناطق التي ترتفع فيها احتمالات سماع أصوات حيتان النروال مقارنة بمواقع أخرى داخل المضيق.
وضُبطت الكاميرا لتسجيل مقاطع فيديو مدتها 10 دقائق، مصحوبة بالصوت، كل 20 دقيقة، مع تخصيص فترة توقف مدتها 10 دقائق بين التسجيلات. واستمر برنامج التسجيل على مدار ثلاثة أيام، بينما وُجّهت الكاميرا إلى الأعلى لتقليل تراكم الرواسب على العدسة، وزيادة فرص تصوير حيتان النروال التي يُعرف عنها أنها تقترب من الأجهزة من الأعلى.
وفي 9 أغسطس، استعاد الباحثون نظام التسجيل من المياه، ليبدأوا تحليل المقاطع الصوتية والمرئية التي جمعها خلال فترة التجربة.
223 مقطع فيديو
أسفرت التجربة عن تسجيل 223 ملف فيديو، تضمنت مشاهد لقناديل البحر والديدان عديدة الأشواك والروبيان والأسماك، إلى جانب كائنات أخرى تعيش في البيئة البحرية القريبة من القاع.
وكان الباحثون يتوقعون أن يكون روبيان الأبسوم، المعروف أيضا باسم روبيان الأبوسوم، أكثر الكائنات ظهورا في التسجيلات. لكن المفاجأة أنه لم يظهر أمام الكاميرا سوى مرة واحدة فقط.
وفي معظم المشاهد، ظهرت الكائنات البحرية منفردة، في حين رُصدت بعض القشريات مزدوجة الأرجل وهي تطفو معًا في أزواج.
أما حيتان النروال، فلم تظهر أمام الكاميرا إلا مرة واحدة، لكنها كانت المصدر الأبرز للأصوات البيولوجية المسجلة تحت الماء. فقد التقط الميكروفون أصواتها في كل يوم من أيام التجربة باستثناء السادس من أغسطس.
ولم تقتصر التسجيلات الصوتية على أصوات الحيوانات؛ إذ رصدت أيضا ضجيج محركات القوارب والأصوات الناتجة عن احتكاك الكتل الجليدية وتكسّرها، ما وفر للباحثين صورة أوسع عن طبيعة البيئة الصوتية في المضيق.
سمكة تسبح إلى الخلف
من بين المشاهد غير المعتادة التي وثقتها الكاميرا، ظهر مقطع لسمكة حلزونية (Snailfish) وهي تتحرك بطريقة لافتة، حيث كانت تسبح إلى الخلف، قبل أن تنجرف مع التيار المائي.
ووصف مؤلفو الدراسة هذا السلوك بأنه سباحة عكسية غير مألوفة، مشيرين إلى أن السمكة انجرفت بصورة سلبية مع التيار، ثم توقفت عن الحركة لنحو 16 ثانية، بينما كان ذيلها ملتفا، قبل أن تغادر إطار التصوير.
وتُعد الأسماك الحلزونية من الأسماك القادرة على العيش في أعماق كبيرة، ويُعرف أن بعض أنواعها من أعمق الأسماك التي تعيش في العالم. كما تدخل ضمن النظام الغذائي لحيوانات بحرية مثل حيتان النروال والفقمات.
ورغم ظهور هذه الأسماك في التسجيلات بصورة متكررة، فإن حالة السباحة إلى الخلف كانت استثنائية؛ إذ لم يُسجل هذا السلوك سوى لدى سمكة واحدة خلال فترة الرصد.
وتكمن أهمية المشهد في أنه يوثق سلوكا نادرا في بيئة يصعب الوصول إليها ومراقبتها باستمرار. ومع ذلك، فإن التسجيل وحده لا يكفي لتحديد سبب حركة السمكة إلى الخلف أو الجزم بأن هذا السلوك يمثل نمطًا معتادًا لدى النوع.
لم تقتصر أهمية التجربة على تسجيل مشهد السمكة الحلزونية، بل أتاحت أيضا للباحثين فرصة التعرف إلى مجتمع الكائنات التي تعيش في طبقة المياه الملاصقة لقاع البحر أو فوقه مباشرة، وهي البيئة التي تُعرف باسم «الهايبر بنتوس» .
وتضم هذه البيئة كائنات صغيرة تتحرك في المياه القريبة من القاع، وقد يصعب رصدها باستخدام أساليب المراقبة التقليدية، خصوصًا في المناطق العميقة والجليدية التي لم تحظَ بدراسات كافية.
وتشير نتائج التجربة إلى أن الجمع بين كاميرات الفيديو والميكروفونات المائية قد يوفر وسيلة بديلة لدراسة هذه المجتمعات البحرية، دون الحاجة بالضرورة إلى الاعتماد على زلاجات قاع البحر وشباك الجر التي تُستخدم لجمع الكائنات من قاع المحيط.
ومن شأن هذه الطريقة أن تساعد العلماء على مراقبة الحيوانات في بيئتها الطبيعية، وتوثيق سلوكها وأصواتها، مع تقليل الاضطرابات التي قد تسببها بعض معدات البحث التقليدية، وفقا لموقع"iflscience".
كما تُظهر التجربة أهمية تطوير أدوات رصد غير تدخّلية، خصوصًا في البيئات القطبية التي تتسم بظروف قاسية، وتضم كائنات بحرية لا تزال جوانب كثيرة من حياتها وسلوكها غير معروفة.
نُشرت الدراسة في مجلة PLOS One العلمية، وتقدم هذه التجربة لمحة نادرة عن الحياة في أعماق القطب الشمالي، من الأسماك الحلزونية التي تنجرف إلى الخلف، إلى الأصوات التي تطلقها حيتان النروال في المياه المظلمة. كما توضح كيف يمكن لأجهزة التسجيل المصممة بعناية أن تكشف سلوكيات وتفاصيل بيئية يصعب على الباحثين رصدها بالطرق المعتادة، من دون إحداث اضطراب كبير في العالم البحري الذي يسعون إلى فهمه.