في أعماق البحر، لا تحسم السرعة والقوة وحدهما نتيجة المطاردة؛ فقد يلجأ بعض المفترسات إلى حيل غريبة بصرية تساعدها على الاقتراب من فرائسها دون إثارة انتباهها. ومن بين هذه الكائنات الحبّار الحَبَري (Cuttlefish)، الذي يستطيع تغيير ألوان جلده وإظهار أنماط متحركة بسرعة لافتة أثناء الصيد، في مشهد يثير تساؤلا: هل تنجح هذه العروض في تنويم فرائسه مغناطيسياً، أم أنها وسيلة أخرى للتمويه والتضليل؟
وعلى الرغم من أن هذه المشاهد قد توحي بأن الحبّار يُخضع فرائسه لتأثير يشبه التنويم، إلا أنه لا توجد أدلة حاسمة تثبت ذلك. وتشير التفسيرات العلمية إلى أن أنماط الألوان المتحركة قد تساعده على تشتيت انتباه الفريسة أو إرباك قدرتها على تحديد موقعه، ما يمنحه فرصة للاقتراب منها قبل الانقضاض عليها بسرعة.
عرض لوني يسبق الهجوم
يُعد الحبّار الحَبَري من الحيوانات البحرية التي تعتمد على الرؤية في الصيد، إذ يستخدم عينيه المتطورتين لرصد فرائسه وتتبع حركتها. وبدلا من الاندفاع مباشرة نحوها، يتقدم غالبا ببطء وحذر، محاولا الاقتراب من دون إثارة انتباهها.
وخلال هذا الاقتراب، قد تظهر على جلده أشرطة وموجات لونية متحركة، تنتج من تفاعل أنواع مختلفة من الخلايا المتخصصة في إظهار الألوان والأنماط. وتستطيع هذه الخلايا التمدد والانكماش بسرعة كبيرة، ما يسمح للحبّار بتغيير مظهره في أجزاء من الثانية.
ولا يقتصر دور هذه القدرة على التمويه التقليدي؛ إذ يعتقد بعض الباحثين أن حركة الألوان قد تجعل تحديد شكل الحيوان وحجمه أكثر صعوبة بالنسبة إلى الفريسة، فتتأخر في التعرف إليه بوصفه مفترسا. ويرى آخرون أن العرض قد يعمل على تشتيت انتباهها، بحيث لا تركز على اقترابه الفعلي.
هل تصل الألوان إلى حد التنويم؟
على الرغم من أن مشهد الحبّار وهو يرسل موجات لونية عبر جسمه قد يبدو وكأنه يشل حركة الفريسة، فإن وصف هذه الظاهرة بالتنويم لا يستند إلى أدلة علمية حاسمة.
فالتنويم، بمعناه النفسي المعروف، يرتبط بحالة من الاسترخاء وتغير الوعي، ولا توجد أدلة كافية تثبت أن التغيرات البصرية التي ينتجها الحبّار تُدخل الأسماك أو القشريات في حالة مماثلة.
وتشير دراسات سابقة إلى إمكان دفع بعض الأسماك إلى حالات من عدم الحركة بوسائل معينة، كما يمكن لبعض الحيوانات الدخول في حالات شبيهة بالغيبوبة المؤقتة تحت ظروف محددة. لكن ذلك لا يثبت أن عرض الألوان قادر على إحداث التأثير نفسه.
وبحسب الخبراء ، فإن التفسير الأقرب حاليا هو أن الحبّار يستغل طريقة إدراك الفريسة لما تراه أمامها، بدلا من إخضاعها لتأثير يشبه التنويم وفقاً لموقع «livescience».
مجسّان خاطفان يحسمان المطاردة
ما إن يقترب الحبّار من المسافة المناسبة حتى ينتقل من التمويه أو التشتيت إلى الهجوم. فهو يمتلك مجسّين طويلين متخصصين في التقاط الطعام، يخرجهما بسرعة من جيوب صغيرة قرب فمه لانتزاع الفريسة قبل أن تتمكن من الفرار.
بعد ذلك، يسحبها نحو فمه، حيث يستخدم منقاره الصلب لتمزيقها. كما تساعده المواد السامة في تقليل المقاومة أثناء التغذي، وهو ما يحد من الطاقة التي قد يحتاج إلى بذلها في التعامل مع الفريسة.
وتشبه سرعة امتداد هذين المجسّين، وفق الخبراء، حركة لسان الحرباء عندما ينطلق لالتقاط حشرة؛ إذ قد لا تملك الفريسة وقتا كافيا للاستجابة قبل أن تصبح في قبضة المفترس.
لغز لم يُحسم بعد
لا يزال العلماء بحاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد الوظيفة الدقيقة للعروض اللونية أثناء الصيد، وما إذا كانت تهدف أساسا إلى إخفاء شكل الحبّار، أو تشتيت انتباه الفريسة، أو الجمع بين الوظيفتين بحسب الموقف.
كما أن فهم كيفية تحكم هذا الحيوان في الأنماط المتحركة على جلده لا يزال مجالًا للبحث. ولذلك، فإن وصفه بأنه «ينوّم فرائسه» يظل تعبيراً مثيراً للاهتمام أكثر منه حقيقة علمية مثبتة.
فيديو