قبل نحو 70 ألف عام، كانت السواحل الجنوبية لإفريقيا مختلفة تماماً عما نعرفه اليوم. ففي بعض الفترات، امتد الساحل إلى مسافة تصل إلى 100 كيلومتر جنوب موقعه الحالي، كاشفاً عن سهل أغولهاس القديم، الذي وفّر موطناً واسعاً للثدييات الضخمة. وفي فترات أخرى، ارتفع مستوى سطح البحر إلى نحو 13 متراً فوق مستواه الحالي.

ورغم اختفاء كثير من الحيوانات التي عاشت في تلك البيئة، لا تزال آثار أقدامها محفوظة في الصخور، حاملةً أدلة تساعد العلماء على إعادة بناء ملامح الحياة في الماضي. لكن بعض هذه الآثار ظل لغزاً للباحثين، إلى أن استعانوا بخبراء تتبع من شعب السان في ناميبيا، تمكنوا من تحديد ثلاثة مواقع لآثار الأسود على الساحل الجنوبي لجنوب إفريقيا، بينها موقع تعود آثاره إلى نحو 70 ألف عام. ولم يقتصر دور الخبراء على تحديد هوية الحيوانات، بل ساعدوا أيضاً في تفسير علامات قد تكشف عن سلوك الأسود القديمة.

آثار تكشف عالماً اختفى

منذ عام 2008، نجح فريق مشروع دراسة آثار الأقدام على الساحل الجنوبي لمنطقة كيب في جنوب إفريقيا في تحديد أكثر من 400 موقع يحتوي على آثار أقدام فقاريات. ويبحث الباحثون عن العلامات التي تركتها الحيوانات على الرمال، قبل أن تتحول الرواسب بمرور الزمن إلى صخور تحتفظ بتفاصيل تلك الخطوات.

وتعود الاكتشافات إلى العصر البليستوسيني، الذي امتد من نحو 2.58 مليون سنة إلى 11,700 سنة مضت. ويساعد قرب هذه الفترة نسبياً من الزمن الحاضر الباحثين على مقارنة الآثار المتحجرة بآثار الحيوانات الحديثة، رغم انقراض بعض الأنواع التي عاشت آنذاك.

وفي عام 2024، ركز الفريق جهوده على تحديد آثار الأسود. ورغم سهولة تمييز آثار أقدام الأسد البالغ عندما تكون محفوظة جيداً، فإن عوامل التعرية وعدم اكتمال بعض الطبعات قد تجعل تحديد الحيوان الذي تركها أمراً معقداً.

وهنا برزت خبرة اثنين من المتخصصين في تتبع الحياة البرية من ناميبيا، هما أوما داكم وأوسي نامسي، اللذان يمتلكان معرفة تقليدية عميقة بآثار الحيوانات وسلوكها.

خبرة تقليدية تحل ألغاز الصخور

حصل المشروع على دفعة مهمة عام 2023، بدعم من مؤسسة «ديسكفري وايلدرنس تراست»، التي أتاحت دعوة خبراء تتبع من شمال شرقي ناميبيا للمشاركة في الأبحاث.

وينتمي هؤلاء الخبراء إلى مجتمع جو/هوانسي من شعب السان، المقيم في محمية نياي نياي، حيث لا تزال مهارات تتبع الحيوانات جزءاً من المعرفة العملية المتوارثة. وقد صنفتهم منظمة «سايبر تراكر»، المعنية بالرصد البيئي، خبراء أصليين متمرسين في هذا المجال.

وسبق لبعض هؤلاء المتخصصين، ومن بينهم داكم وأوسي نامسي والراحل ستيف كونتا، المشاركة في تأليف بحثين علميين عن اكتشافات من العصر البليستوسيني على الساحل الجنوبي لمنطقة كيب. تناول الأول المسار الأحفوري الوحيد المعروف حتى الآن لآثار حيوان البنغول، فيما ركز الثاني على آثار متحجرة للضبع البني، لكن المهمة الجديدة تطلبت منهم تحديد آثار الأسود القديمة.

بدأ الفريق بزيارة موقع معروف لآثار الأسود داخل محمية غوكماما الطبيعية. وهناك، أكد خبراء التتبع تحديد الباحثين، وأضافوا تفسيراً يشير إلى وجود آثار لأسد ذكر وأخرى لأنثى.

ثم انتقلوا إلى محمية دي هوب الطبيعية، حيث كان الباحثون يرجحون أن آثاراً مكتشفة تعود إلى أسد، من دون التأكد من ذلك. وبعد فحص العلامات ومناقشتها بلغتهم، لغة جو/هوان، خلص الخبراء إلى أنها تعود بالفعل إلى أسد، ورجحوا أنها تشير إلى حيوان اتخذ وضعية انحناء استعداداً للانقضاض على فريسته. وساعد هذا التفسير في فهم وجود طبعتين متجاورتين تتجهان في الاتجاه نفسه، وهو تفصيل ظل محيراً للباحثين.

وبعد أيام، توجه الفريق إلى موقع ساحلي ناءٍ شرق بلدة ويتساند، لم يكن قد أمكن تحديد الحيوان الذي ترك آثاره فيه، رغم وضوح أن صاحبها كان كبير الحجم. وبعد معاينة السطح الصخري، تعرف خبراء التتبع على آثار الأسود، ورصدوا مؤشرات تشير إلى مرور أسد ذكر وآخر أنثى.

وبذلك، أسهمت خبرتهم في تحديد آثار الأسود في ثلاثة مواقع أحفورية، كما أضافت تفسيرات جديدة إلى فهم سلوك الحيوانات التي تركتها.

هل تعود الآثار إلى أسد كيب المنقرض؟

تكتسب الاكتشافات أهمية خاصة لأنها تمثل المواقع الوحيدة الموثقة حتى الآن لآثار أقدام الأسود المتحجرة في جنوب إفريقيا. وعلى مستوى القارة الإفريقية، لا يُعرف سوى موقع آخر لآثار الأسود، يقع في تنزانيا.

ومن بين المواقع الثلاثة التي درسها الفريق في منطقة كيب، جرى تأريخ آثار أحدها فقط حتى الآن، وتبين أنها تعود إلى نحو 70 ألف سنة. أما الأسود، فلم تعد تعيش في البرية في هذه المنطقة.

ويثير ذلك احتمال أن تكون الآثار قد تركها أسد كيب المنقرض، المعروف علمياً باسم Panthera leo melanochaita. لكن اعتبار هذا الأسد سلالة فرعية مستقلة لا يزال موضع نقاش بين العلماء، كما لا تتيح آثار الأقدام وحدها التمييز بينه وبين سلالات الأسود الأخرى. لذلك، يبقى ارتباط الآثار بأسد كيب احتمالاً مثيراً، لا نتيجة مؤكدة.

تعاون يفتح أبواباً جديدة للبحث

توضح هذه التجربة كيف يمكن الجمع بين أدوات العلم الحديث والمعرفة التقليدية المتراكمة عبر أجيال من مراقبة الطبيعة أن يوسع آفاق البحث. فبينما تساعد الدراسات الجيولوجية والتوثيق العلمي في تحليل الآثار، تتيح خبرة المتتبعين قراءة تفاصيل دقيقة عن شكل الخطوات واتجاه الحركة وسلوك الحيوان.

ويستعد الفريق لاستقبال مجموعة جديدة من خبراء التتبع من مجتمع جو/هوانسي، للمشاركة في أبحاث مقبلة على الساحل الجنوبي لمنطقة كيب. وستركز إحدى المهام على البحث عن آثار أقدام أشباه البشر، فيما ستسعى مهمة أخرى إلى العثور على آثار الظبي الأزرق المنقرض، المعروف باسم «بلوبوك».

ويأمل الباحثون أن تكشف هذه الجهود مزيداً من التفاصيل عن الحيوانات والبشر الذين عاشوا في المنطقة قبل آلاف السنين، وأن تساعد على إعادة بناء عالم لم يبقَ منه سوى آثار محفوظة في الصخور.