في قلب المحيط الأطلسي، يوجد بحر يختلف عن جميع بحار العالم، فلا شاطئ له، ولا تحده أي قطعة من اليابسة، إنه بحر سارغاسو، الذي تحيط به تيارات محيطية متحركة بدلا من السواحل، ما يجعله ظاهرة بحرية فريدة ويمنح العلماء فرصة استثنائية لمراقبة التغيرات التي تطرأ على المحيطات.

تحد بحر سارغاسو أربعة تيارات رئيسية، تيار الخليج من الغرب، وتيار شمال الأطلسي من الشمال، وتيار الكناري من الشرق، وتيار شمال الأطلسي الاستوائي من الجنوب، وعلى عكس البحار التقليدية، لا تملك حدوده شكلا ثابتا، إذ تتغير مع حركة التيارات والفصول.

وتزيد هذه الطبيعة المتحركة من صعوبة دراسته، لكن العلماء تمكنوا من بناء سجل طويل الأمد للتغيرات التي يشهدها، بفضل عمليات رصد بدأت قبل أكثر من 70 عامًا.

في عام 1954، اختار عالم المحيطات هنري ستومل نقطة في البحر تُعرف باسم Hydrostation S، تقع على بعد نحو 25 كيلومترا جنوب شرقي برمودا، ومنذ ذلك الحين، ظل الباحثون يعودون إلى المنطقة بصورة منتظمة لجمع عينات من مياهها.

وتكشف البيانات عن تغيرات كبيرة خلال العقود الماضية، فمنذ عام 1983، ارتفعت درجة حرارة سطح بحر سارغاسو بنحو درجة مئوية واحدة، وانخفضت كمية الأكسجين المذاب في المياه بنحو 6%، بينما أصبحت المياه أكثر ملوحة، وارتفعت حموضتها بأكثر من 30%.

وفي عام 1988، بدأ العلماء برنامج دراسة السلسلة الزمنية للأطلسي في برمودا (BATS)، الذي يجمع عينات شهرية من منطقة تقع على بعد نحو 80 كيلومترا جنوب شرقي برمودا، بدءا من سطح البحر وحتى أعماق تصل إلى نحو 4500 متر.

وأظهرت المقارنات بين البيانات القديمة والحديثة أن مستويات الكربون وثاني أكسيد الكربون في مياه البحر خلال عشرينات القرن الحالي أصبحت أعلى من مثيلاتها في ثمانينات القرن الماضي، كما ارتفعت حرارة سطح البحر بمعدل يقارب 0.24 درجة مئوية كل عقد، دون وجود مؤشرات واضحة على تباطؤ معدل التغير.

ويربط الباحثون هذه التحولات بامتصاص المحيط كميات متزايدة من ثاني أكسيد الكربون الناتج عن الأنشطة البشرية، وتشير الدراسة إلى أن قدرة مياه المنطقة على امتصاص هذا الغاز تراجعت بنحو 6% منذ عام 1983.

ولا تقتصر أهمية بحر سارغاسو على قياس التغيرات المناخية، فهو موطن لنظام بيئي فريد يعتمد بدرجة كبيرة على طحالب السارغاسوم البنية، التي تطفو على سطح المحيط بدلا من النمو في قاع البحر.

وتشكل هذه الطحالب مساحات واسعة أشبه بالغابات العائمة، وتوفر مأوى ومناطق حضانة للسلاحف البحرية والأسماك والروبيان وسرطانات البحر.

كما تمر الحيتان الحدباء عبر المنطقة خلال هجرتها السنوية، بينما تستخدم بعض الكائنات البحرية المهددة بالانقراض مياهها للتكاثر.

ويثير ارتفاع حموضة المياه قلق العلماء، لأنه يجعل تكوين الأصداف والهياكل العظمية لدى بعض الكائنات البحرية أكثر صعوبة، خصوصا العوالق النباتية المتكلسة التي تلعب دورا أساسيا في النظام البيئي البحري.

ورغم أن الدراسة لا تقيس بصورة مباشرة تأثير هذه التغيرات على الكائنات البحرية، فإن استمرار الرصد لعقود يجعل بحر سارغاسو موقعا مهما لفهم التحولات التي يشهدها المحيط العالمي.

وبينما لا يملك هذا البحر شاطئا يمكن الوقوف عليه، فإن العلماء يواصلون العودة إلى مياهه المتحركة لرصد التغيرات التي قد تقدم صورة أوسع عن مستقبل محيطات كوكب الأرض.