من بين أكثر التفاصيل إثارة للانتباه في تمثال الملكة نفرتيتي الشهير، العين اليسرى التي تبدو فارغة، في حين تظهر العين اليمنى مكتملة بترصيع دقيق. ومنذ اكتشاف التمثال في مدينة العمارنة في محافظة المنيا بمصر عام 1912، أثارت هذه العين أسئلة حول ما إذا كانت قد فُقدت لاحقًا، أم أن الفنان لم يضعها أصلًا. وحتى اليوم، لا توجد إجابة نهائية تحسم المسألة.
التمثال، الذي يعود إلى عصر الأسرة الثامنة عشرة، يبلغ ارتفاعه نحو 49 سنتيمترًا، وصُنع من نواة من الحجر الجيري غُطيت بطبقات من الجص الملون. أما العين اليمنى فصُنعت بطريقة معقدة؛ إذ استخدم الفنان شمعًا أسود اللون لتشكيل الجزء الداخلي، مع قطعة من الكريستال الصخري المصقول لتشكيل القرنية. لكن العين اليسرى خلت من هذا الترصيع.
وعندما عُثر على التمثال في السادس من ديسمبر 1912 داخل ورشة النحات الملكي تحتمس في العمارنة، أمر عالم المصريات الألماني لودفيغ بورشاردت بالبحث عن الجزء المفقود. جرى تفتيش الأنقاض وحتى غربلتها، وعُثر على أجزاء أخرى من التمثال، لكن لم يُعثر على ترصيع العين. وفي وقت لاحق خلص بورشاردت إلى أن العين لم تكن موجودة أصلًا.
هل كانت العين موجودة ثم اختفت؟
هذه إحدى الفرضيات، لكنها ليست محسومة. فالفحوص التي أجراها متحف برلين لم تكشف عن آثار لمادة رابطة داخل تجويف العين، كما أن سطح التجويف أملس ولا يبدو أنه جُهّز بطريقة واضحة لاستقبال ترصيع. وهذه المعطيات دفعت المتحف إلى القول إن الأدلة تشير إلى أن العين ربما لم تُركّب أصلًا. لكن المتحف نفسه يحذر من اعتبار ذلك إثباتًا نهائيًا، ويشير إلى أن المسألة ما زالت موضع نقاش.
في المقابل، يعتقد عالم المصريات زاهي حواس أن النحات تحتمس صنع العين اليسرى لتمثال نفرتيتي، لكنها تدمرت في وقت لاحق. ويوضح الدكتور أحمد بدران أنه في عام 2006، لاحظ ديتريش فيلدونج، مدير المتحف المصري في برلين آنذاك، عند تغيير زاوية الإضاءة المسلطة على التمثال، وجود تجاعيد على رقبة نفرتيتي وتحت عينيها، ما يشير إلى أن تحتمس حاول إظهار بعض علامات التقدم في العمر. وأكدت الأشعة المقطعية هذه الملاحظات، إذ كشفت عن إضافات من الجبس تحت العينين وعلى الرقبة، أضافها النحات في محاولة للوصول إلى مزيد من الدقة والإتقان في نحت التمثال، وفقا لصحيفة"الأهرام" المصرية.
وهنا تظهر فرضية أخرى وهي أن التمثال كان نموذجًا يستخدمه النحاتون في الورشة، ولم يكن عملًا نهائيًا مخصصًا للعرض. فقد اعتبر بورشاردت أن غياب العين، إلى جانب بعض خصائص التمثال، دليل على أنه نموذج للنحات. لكن الدراسات اللاحقة لم تجد ما يكفي لحسم هذه الفرضية؛ فالتمثال يبدو مكتملًا وملونًا بدرجة عالية من الدقة، وهو ما يثير تساؤلات حول سبب ترك عين واحدة دون ترصيع.
مرض نفرتيتي
ظهرت على مر السنين تفسيرات طبية أيضًا، من بينها احتمال إصابة نفرتيتي بمرض في العين. لكن هذه الفكرة لم تجد دعمًا مقنعًا؛ إذ توجد تماثيل وصور أخرى للملكة تظهر فيها العينان بصورة طبيعية، ما يجعل تفسير فقدان العين في هذا التمثال بمرض أصاب نفرتيتي أقل إقناعًا. وقد استعرضت دراسة منشورة في Plastic and Reconstructive Surgery – Global Open هذه الفرضيات، مشيرة إلى أن تفسير العين بوصفها نتيجة مرضية لا يحظى بإجماع.
واللافت أن هناك دليلًا آخر من ورشة تحتمس نفسها، فقد عُثر على رأس غير مكتمل لنفرتيتي تظهر فيه تفاصيل العينين والحاجبين مرسومة ومنفذة بعناية، ما يعكس مدى أهمية استخدام نماذج دقيقة في عملية النحت. ويحتفظ متحف برلين بهذا الرأس ضمن مجموعته، ويشير إلى علاقته التاريخية بالتماثيل والنماذج الأخرى لنفرتيتي في الورشة.