في اكتشاف أثري يعيد تسليط الضوء على بدايات الدبلوماسية في العالم القديم، أعلن علماء آثار في تركيا العثور على جزء من معاهدة قادش، التي تُعد أقدم معاهدة سلام معروفة في العالم، وذلك خلال أعمال تنقيب في مدينة حاتوشا، العاصمة القديمة للإمبراطورية الحيثية.
ووفقا لموقع livescience، يعود عمر القطعة المكتشفة إلى نحو 3400 عام، إذ يرجح أنها جزء من معاهدة وُقعت حوالي عام 1269 قبل الميلاد بين الفرعون المصري رمسيس الثاني والملك الحيثي حاتوسيلي الثالث، في خطوة أنهت حربا طويلة بين المصريين والحيثيين.
وأعلنت وزارة الثقافة والسياحة التركية أن القطعة الجديدة عبارة عن جزء من لوح مكتوب بالخط المسماري، ويحتوي على نص يتعلق بأحد الجوانب اللافتة في المعاهدة، وهو التعامل مع اللاجئين.
وقال وزير الثقافة والسياحة التركي محمد نوري أرصوي، في بيان صدر في 21 سبتمبر: "لقد عثرنا في تراب الأناضول على آثار للسلام عمرها آلاف السنين"، مشيرا إلى أن الاكتشاف يحمل تذكيرا بمسؤولية حماية حياة الإنسان وكرامته.
معاهدة أنهت صراعا طويلا
وُقعت معاهدة قادش في أعقاب صراع امتد لفترة طويلة بين مصر والإمبراطورية الحيثية، التي كانت تسيطر على أجزاء واسعة من وسط الأناضول خلال العصر البرونزي.
وعلى الرغم من ارتباط اسمها بمعركة قادش، فإن المعاهدة نفسها لا تذكر المعركة التي وقعت قبل توقيعها بعدة سنوات، ولذلك تُعرف أيضا باسم المعاهدة المصرية-الحيثية للسلام، أو المعاهدة الأبدية، أو معاهدة الفضة.
وقد عُثر على نصوص المعاهدة في كل من مصر ومدينة حاتوشا، ففي أوائل القرن التاسع عشر، اكتشف علماء الآثار نسخة مكتوبة بالهيروغليفية على جدران معبد مخصص لرمسيس الثاني في طيبة، بالقرب من الأقصر الحالية.
أما الأجزاء المكتوبة باللغة الأكادية وبالخط المسماري، فقد عُثر عليها في حاتوشا خلال أوائل القرن العشرين، قبل أن تأتي القطعة الجديدة لتضيف جزءا آخر إلى هذا السجل الدبلوماسي القديم.
بنود تثير الاهتمام بعد آلاف السنين
وتكشف المعاهدة عن مجموعة من الالتزامات بين الطرفين، من بينها الحفاظ على السلام والأخوة بين مصر والإمبراطورية الحيثية.
لكن اللافت في النصوص المكتشفة حديثا هو ما تتضمنه من بنود تتعلق باللاجئين، فالمعاهدة نصت على إعادة الفارين من إحدى الدولتين إلى دولتهم الأصلية، لكنها في الوقت نفسه حظرت تعذيبهم أو إيذاءهم.
ويظهر في الجزء المكتشف حديثا نص يتضمن حماية اللاجئين من أشكال قاسية من العقاب، إذ تنص المعاهدة على عدم اقتلاع ألسنتهم أو أعينهم، أو قطع آذانهم وأقدامهم، أو تدمير منازلهم مع زوجاتهم وأطفالهم.
وتشير وزارة الثقافة والسياحة التركية إلى أن أعمال التنقيب المستمرة في الموقع قد تكشف عن أجزاء أخرى من المعاهدة.
ولا يزال إرث معاهدة قادش حاضرا حتى اليوم، إذ تُعرض نسخة نحاسية منها في مبنى مؤتمرات الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، في إشارة إلى ما تتضمنه من مبادئ تتعلق بالسلام الدائم، وعدم الاعتداء، واحترام وحدة الأراضي، والمساعدة المتبادلة.
وبينما كان العالم القديم يشهد صراعات وحروبا على الأراضي والنفوذ، تكشف هذه القطعة الصغيرة من لوح طيني عن محاولة عمرها آلاف السنين لتنظيم العلاقات بين خصمين، ووضع قواعد للسلام والتعامل مع الفارين من الحروب.