تحت أجزاء من آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، تختبئ بقايا عالم مختلف تمامًا عن الأرض التي نعرفها اليوم؛ شظايا من قشرة قارية قديمة ظلت مدفونة لمئات ملايين السنين، وكشفتها دراسة جديدة أعادت رسم حدود واحدة من أعظم القارات العظمى في تاريخ الكوكب.
وبعد تحليل أكثر من 25 ألف صخرة بركانية، خلص باحثون إلى أن غوندوانا كانت أكبر بكثير مما أشارت إليه التقديرات السابقة، وربما كانت تغطي نحو 80% من إجمالي مساحة اليابسة على الأرض قبل حوالي 500 مليون عام.
ولا تكمن أهمية الاكتشاف في إعادة رسم خريطة قديمة فحسب، بل في أنه يكشف أن أجزاءً من تلك القارة العملاقة لا تزال موجودة حتى اليوم، لكن مدفونة داخل كتل قارية أصبحت لاحقًا جزءًا من القارات الحديثة.
قارة كانت تهيمن على الأرض
كانت غوندوانا واحدة من أعظم القارات العظمى التي عرفها كوكب الأرض، قبل أن تبدأ الصفائح التكتونية في تفكيكها وتوزيع أجزائها على مساحات شاسعة من العالم.
ولسنوات طويلة، حاول الجيولوجيون تحديد حدودها الحقيقية، لكن المهمة لم تكن سهلة؛ فجزء كبير من القشرة التي كانت تشكلها اختفى تحت طبقات جيولوجية أحدث، بينما انتقلت أجزاء أخرى مع حركة الصفائح التكتونية إلى مناطق بعيدة عن موطنها الأصلي.
وتشير الدراسة الجديدة، المنشورة في مجلة " Science Advances"، إلى أن غوندوانا ربما كانت تشغل نحو 80% من مساحة اليابسة العالمية قبل حوالي نصف مليار سنة، مقارنة بتقديرات سابقة وضعتها عند نحو 64%.
آثار القارة القديمة مخبأة في الصخور
لم يعتمد الباحثون على شكل القارات الحالية لتحديد موقع غوندوانا، بل بحثوا عن دليل أكثر دقة: التركيب الكيميائي للصخور القديمة.
فقد حلل الفريق بيانات من عشرات الآلاف من الصخور البركانية، واستخدم البصمات الكيميائية للعناصر الموجودة فيها لتحديد أصل القشرة التي تشكلت في الماضي.
وتعمل هذه البصمة الجيوكيميائية كدليل على هوية الصخور؛ فعلى الرغم من أن القشرة تعرضت لحركة الصفائح والتغيرات الجيولوجية على مدى مئات ملايين السنين، فإن تركيبتها الكيميائية يمكن أن تحتفظ بإشارات تكشف عن القارة التي نشأت فيها.
وبهذه الطريقة، تمكن الباحثون من تحديد شظايا من قشرة غوندوانا القديمة مدفونة تحت أجزاء من آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، وهي مناطق تبدو اليوم بعيدة تمامًا عن بعضها.
هل ساهمت غوندوانا في ظهور الحياة الحديثة؟
قد يحمل الكشف أهمية تتجاوز تاريخ القارات نفسها، فالفترة التي بدأت فيها غوندوانا بالتشكل تتزامن تقريبًا مع واحدة من أكثر التحولات إثارة في تاريخ الحياة على الأرض، وهي الانفجار الكامبري، الذي شهد ظهور وتنوعًا سريعًا لأسلاف معظم مجموعات الحيوانات الرئيسية، وفقا لـ "dailygalaxy".
ويشير الباحثون إلى أن وجود كتلة قارية بهذا الحجم ربما أثر في عدد من العوامل التي تتحكم في بيئة الكوكب، مثل مستوى سطح البحر، ودورات الغازات في الغلاف الجوي، والنشاط البركاني، والظروف المناخية.
وهذا لا يعني أن الدراسة تثبت أن غوندوانا تسببت في الانفجار الكامبري، لكنها تفتح الباب أمام فهم أفضل لكيفية تفاعل تغيرات سطح الأرض مع التحولات الكبرى في تاريخ الحياة.
القصة لم تنتهِ بعد
ورغم أن الدراسة تقدم تصورًا أوسع لحجم غوندوانا، فإن الباحثين لا يستبعدون أن تكون أجزاء أخرى من القارة القديمة لا تزال مجهولة. فبعض القشرة ربما استقر في أعماق الأرض، وبعضها قد يكون مغمورًا تحت المحيطات، فيما ربما أُعيد تدوير أجزاء أخرى بفعل حركة الصفائح التكتونية.
وبالتالي، فإن الخريطة الجديدة قد لا تكون النهاية، بل خطوة أخرى في محاولة إعادة بناء شكل الأرض قبل أن تتحول القارات إلى صورتها الحالية. فما نراه اليوم على سطح الأرض ليس سوى آخر فصل من قصة جيولوجية بدأت قبل مئات ملايين السنين.