ظل كهف موفيل في رومانيا مغلقاً ومعزولاً عن العالم لنحو 5.5 ملايين سنة، قبل أن يصل إليه العلماء ويكتشفوا في أعماقه نظاماً بيئياً يبدو وكأنه ينتمي إلى عالم آخر. ففي مكان لا يصل إليه ضوء الشمس، وتندر فيه مستويات الأكسجين وترتفع فيه تركيزات بعض الغازات، تمكنت كائنات غريبة من البقاء والتطور بعيداً عن سطح الأرض.
يقع الكهف في أعماق الأرض، وقد ظل محاصراً لفترة طويلة، ما جعله بيئة معزولة تمامًا تقريبًا. وعندما بدأ الباحثون دراسة هذا العالم المظلم، وجدوا نظامًا بيئيًا متكاملًا لا يعتمد على الطاقة القادمة من الشمس، في واحدة من أكثر البيئات تطرفًا التي دُرست على الأرض.
في معظم الأنظمة البيئية على كوكبنا، تبدأ السلسلة الغذائية من النباتات والكائنات التي تستخدم ضوء الشمس لإنتاج الطاقة. لكن داخل كهف موفيل، تسير الأمور بطريقة مختلفة تمامًا.
في قاعدة هذا النظام البيئي توجد بكتيريا كيميائية التركيب، وهي كائنات دقيقة تحصل على الطاقة من التفاعلات الكيميائية بدلًا من ضوء الشمس. وتستفيد هذه البكتيريا من مركبات موجودة طبيعيًا في الكهف، مثل كبريتيد الهيدروجين والميثان والأمونيوم، لتنتج الطاقة التي تسمح باستمرار الحياة.
وتكوّن هذه الكائنات الدقيقة طبقات ميكروبية على الجدران والأرضيات والأسطح المغمورة بالمياه، لتصبح مصدر الغذاء والطاقة للكائنات الأخرى التي تعيش في أعماق الكهف.
لكن البيئة هناك بعيدة جدًا عن الظروف التي اعتادت عليها معظم الكائنات. فالرطوبة تصل إلى 100%، بينما ترتفع مستويات ثاني أكسيد الكربون، وينخفض الأكسجين إلى نحو ثلث المستوى الموجود في الهواء الذي يتنفسه الإنسان على سطح الأرض.
ورغم ذلك، استطاعت مجموعة من الكائنات المتخصصة التأقلم مع هذه الظروف القاسية.
كائنات فقدت أعينها
ووفقًا لمجلة "popularmechanics" كشفت الأبحاث المنشورة حول الكهف عن ما لا يقل عن 123 نوعًا جديدًا من الفطريات و 53 نوعًا من الحيوانات ، العديد منها لا يوجد في أي مكان آخر على وجه الأرض. وتشمل هذه الحيوانات بطنيات الأقدام ، والديدان الخيطية المعروفة باسم النيماتودا، والقشريات الصغيرة ، وأم أربع وأربعين ، والخنافس ، وعقارب الماء ، والعلق ، والعناكب ، إلى جانب كائنات أخرى تكيفت مع الحياة في الظلام.
ويبدو أن ملايين السنين من العزلة والظلام تركت بصمتها على هذه المخلوقات. فقد فقدت بعض الأنواع قدرتها على الإبصار بعدما أصبحت العيون عديمة الفائدة في بيئة لا يصل إليها الضوء، بينما طورت حواس أخرى تساعدها على الحركة والعثور على الغذاء، مثل الإحساس باللمس والإشارات الكيميائية.
كما أصبحت بعض الكائنات شاحبة أو شبه شفافة، لأن الألوان لم تعد تؤدي وظيفة مهمة في عالم مظلم بالكامل.
ومن بين أكثر سكان الكهف إثارة للاهتمام حريش لاحم يبلغ طوله نحو بوصتين، ويُعد من أبرز المفترسات في هذا النظام البيئي، إذ يتغذى على كائنات أصغر منه تعيش في البيئة نفسها.
لماذا يهتم العلماء بهذا الكهف؟
لا تكمن أهمية موفيل في غرابة مخلوقاته فقط، بل في أنه يقدم نموذجا حًا لكيفية استمرار الحياة من دون ضوء الشمس.
فهذا النظام البيئي يوضح أن الطاقة الكيميائية يمكن أن تكون كافية لبناء شبكة غذائية كاملة، حتى في مكان معزول وقاسٍ للغاية. ولهذا السبب، ينظر العلماء إلى الكهف باهتمام خاص عند دراسة إمكانية وجود حياة في أماكن أخرى من النظام الشمسي.
وتحديدا، يلفت موفيل الانتباه إلى الأقمار الجليدية مثل أوروبا وإنسيلادوس، حيث تشير الأدلة إلى وجود محيطات مائية مخفية تحت طبقات سميكة من الجليد. وفي حالة إنسيلادوس، رصدت المركبات الفضائية أعمدة مادية تتضمن مركبات مثل الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان، ما دفع العلماء إلى دراسة إمكانية وجود بيئات مناسبة للحياة الميكروبية في باطنه.
وبالطبع، لا يعني كهف موفيل أن العلماء اكتشفوا دليلًا على وجود حياة خارج الأرض. لكنه يقدم درسًا مهمًا أن الحياة لا تحتاج بالضرورة إلى ضوء الشمس كي تستمر.
ففي أعماق رومانيا، عاش عالم كامل لملايين السنين في الظلام، وتطورت مخلوقاته بعيدًا عن سطح الأرض، لتثبت أن الحياة قادرة على إيجاد طريقها حتى في أكثر البيئات التي تبدو غير صالحة للحياة.