تحت تل ترابي ضخم في منطقة لينتونغ قرب مدينة شيآن الصينية، يوجد قبر تشين شي هوانغ، أول إمبراطور وحّد الصين، مغلقا منذ أكثر من ألفي عام، وسط أسرار إمبراطورية هائلة لم يكشف عنها بعد.

ولقرون طويلة، بقيت رواية المؤرخ الصيني القديم سيما تشيان حول القصر المدفون موضع جدل بين الحقيقة والأسطورة، بعدما ذكر أنه يحتوي على أنهار وبحيرات من الزئبق السائل صُممت على شكل خريطة مصغرة للصين. لكن دراسة علمية حديثة كشفت أدلة جديدة تشير إلى أن جزءا من هذه الرواية قد يكون حقيقيا، بعد رصد انبعاثات للزئبق فوق موقع المقبرة، ما أعاد التساؤلات حول ما تخفيه هذه المقبرة الغامضة.

وقدمت دراسة حديثة نشرت في مجلة Scientific Reports أدلة جديدة تشير إلى أن هذه الرواية التاريخية قد تكون أقرب إلى الحقيقة مما كان يعتقد سابقا، بعدما تمكن العلماء من رصد تركيزات مرتفعة من الزئبق في الهواء فوق الضريح.

ليزر يخترق الغموض

قاد فريق البحث الفيزيائي سون سفانبيرغ من جامعة لوند وجامعة جنوب الصين للمعلمين، حيث استخدم تقنية متطورة تُعرف باسم ليدار الامتصاص التفاضلي (DIAL) لرصد انبعاثات الزئبق من مسافات بعيدة.

وتعتمد هذه التقنية على إطلاق نبضات ليزر فوق بنفسجية بطول موجي تمتصه ذرات الزئبق بقوة، ثم مقارنة الإشارة المنعكسة بإشارة أخرى مرجعية، ما يسمح بقياس تركيز الغاز في الهواء دون الحاجة إلى الحفر أو فتح الموقع.

وأظهر المسح وجود مناطق ترتفع فيها مستويات الزئبق بشكل ملحوظ مقارنة بالمعدل الطبيعي في المنطقة، كما تطابقت هذه المناطق مع مواقع سبق أن كشفت فيها دراسات التربة عن تركيزات مرتفعة من الزئبق.

بدأ بناء ضريح تشين شي هوانغ عام 246 قبل الميلاد، واستغرق نحو 38 عاما، ويُقال إن أكثر من 700 ألف عامل شاركوا في تشييده.

وتشير المسوحات الجيوفيزيائية إلى أن القصر الجوفي يمتد تقريبا على مساحة 140 × 110 أمتار، بارتفاع يقارب 30 مترًا، مع وجود حجرة الدفن المركزية على عمق نحو 30 مترًا تحت سطح الأرض.

ويتفق علماء الآثار على أن القبر الرئيسي لم يُفتح أو يتعرض للنهب حتى الآن، ما يجعله أحد أكثر المواقع الأثرية غموضًا في العالم.

هل كان الزئبق سببا في وفاة الإمبراطور؟

وفقًا لسجلات سيما تشيان، كان تشين شي هوانغ يعتقد أن الزئبق يمكن أن يمنحه "الخلود"، ولذلك تناول مركبات تحتوي عليه ضمن محاولاته للبحث عن حياة أبدية.

ويرجح بعض الباحثين أن تسمم الزئبق ربما كان أحد أسباب وفاته، إذ تشير الدراسة إلى أن وجود كميات كبيرة من الزئبق داخل القبر يتوافق مع الروايات التاريخية القديمة.

كيف قاس العلماء الزئبق المتسرب؟

صمم الباحثون نظام DIAL المتنقل خصيصا لهذه المهمة، ووضعوه على حاوية محمولة فوق شاحنة، ليتمكن من قياس انبعاثات الزئبق في الهواء.

واستخدم الجهاز نبضات ليزر بطول موجي يقارب 254 نانومترًا، وهو الطول الذي تمتصه ذرات الزئبق بشكل كبير.

وأجريت القياسات خلال الفترة بين 24 يوليو و12 أغسطس 2016، مع تنفيذ معظم عمليات الرصد خلال الليل لتقليل تأثير الضوء المحيط.

كما تابع الفريق عوامل الطقس مثل سرعة الرياح واتجاهها، لأن الرياح القوية يمكن أن تخفف تركيزات الزئبق وتؤثر في نتائج القياس، وفقا لموقع"dailygalaxy".

إشارات الزئبق تتطابق مع خرائط التربة

كشفت القياسات عن أعلى تركيز للزئبق عند مستوى 27 نانوغرامًا لكل متر مكعب في إحدى المناطق القريبة من المنحدر الغربي للتلة.

كما ظهرت منطقة أخرى ذات تركيز مرتفع قرب الجهة الجنوبية من الموقع.

وكان اللافت أن هذه المناطق تطابقت مع نتائج دراسات سابقة للتربة، حيث سجلت إحدى الدراسات تركيزات وصلت إلى 1440 جزءًا في المليار، بينما سجلت دراسة أخرى مستوى أعلى بلغ 2204 أجزاء في المليار.

ويرى الباحثون أن هذا التطابق بين قياسات الهواء والتربة يشير إلى أن بخار الزئبق قد يتسرب تدريجيا من داخل القبر عبر شقوق أو تغيرات حدثت في البنية على مدى آلاف السنين.

كمية الزئبق المتسربة تكشف حجم المخزون المحتمل

قدّر الفريق معدل خروج الزئبق من الموقع بنحو 5 × 10⁻⁸ كيلوغرام في الثانية، مع احتمال وجود هامش خطأ يصل إلى الضعف.

وعند حساب هذه الكمية عبر نحو 2200 عام، مع افتراض خروج الانبعاثات خلال الأشهر الأكثر حرارة فقط، فإن إجمالي ما فقده القبر عبر الهواء يُقدر بحوالي طن متري واحد تقريبًا.

لكن هذا الرقم لا يمثل سوى جزء صغير جدا من الكمية التي قد تكون موجودة أصلًا داخل القبر، إذ تشير تقديرات أخرى إلى أن الرواسب الأصلية ربما بلغت 100 طن أو أكثر.

ويرى العلماء أن هذه النتائج لا تثبت حجم الزئبق بدقة، لكنها تدعم احتمال وجود كميات ضخمة منه داخل الضريح.

لم تقتصر أهمية الدراسة على الجانب الأثري، إذ قارن الباحثون بين ضريح تشين شي هوانغ وتحديات تخزين المواد الخطرة تحت الأرض، مثل النفايات النووية عالية المستوى.

وأشاروا إلى أن بعض الدول تخطط لإنشاء مستودعات جيولوجية عميقة يجب أن تبقى آمنة لآلاف أو حتى ملايين السنين.

ويُظهر القبر الصيني أن حتى أكثر المنشآت إحكامًا قد تتأثر بمرور الزمن، إذ يمكن للمواد المتطايرة أن تجد طريقها للخروج عبر تغيرات صغيرة تحدث خلال آلاف السنين.

كما يرى الباحثون أن تقنية DIAL قد تصبح مستقبلًا أداة مهمة لمراقبة المواقع المغلقة تحت الأرض، إذ تسمح برصد تسرب الغازات دون الحاجة إلى إزعاج الموقع أو فتحه.

وهكذا، بعد أكثر من 2000 عام، قد تكون أسطورة "أنهار الزئبق" تحت قبر الإمبراطور الصيني تحولت من حكاية تاريخية إلى لغز تدعمه التكنولوجيا الحديثة.