كشفت دراسة علمية جديدة عن نتائج مذهلة لفحص بيولوجي شامل أُجري على المعمرة الإسبانية ماريا برانياس، التي كانت أكبر شخص حي موثق في العالم قبل وفاتها عام 2024 عن عمر بلغ 117 عاما و168 يوما، حيث أظهرت النتائج أن التقدم الشديد في العمر لا يعني بالضرورة الإصابة بالأمراض المرتبطة بالشيخوخة.
وعاشت برانياس أحداثا تاريخية كبرى شملت الحربين العالميتين، وجائحة الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، والحرب الأهلية الإسبانية، وجائحة كوفيد-19، قبل أن تصبح موضع واحدة من أكثر الدراسات العلمية شمولا حول طول العمر الاستثنائي.
وأجرى الدراسة فريق بحثي بقيادة مانيل إستيلير من معهد جوزيب كاريراس لأبحاث اللوكيميا، ونُشرت نتائجها في مجلة Cell Reports Medicine.
ووصف الباحثون المشروع بأنه الأكثر شمولا على الإطلاق لشخص تجاوز عمره 110 أعوام.
واعتمد العلماء على عينات مأخوذة من الدم واللعاب لتحليل الجينوم الكامل والبروتينات والتمثيل الغذائي والتغيرات الجينية التنظيمية والميكروبيوم المعوي، بهدف فهم العوامل التي ساعدت برانياس على بلوغ هذا العمر الاستثنائي.
مؤشرات واضحة للشيخوخة
وأظهرت التحاليل أن برانياس كانت تحمل العديد من السمات البيولوجية المرتبطة بالتقدم الشديد في العمر، من بينها قِصر التيلوميرات الواقعة في نهايات الكروموسومات، ووجود تغيرات التهابية في الجهاز المناعي، وشيخوخة الخلايا اللمفاوية البائية، إضافة إلى حالة تُعرف باسم "تكوّن الدم النسيلي"، والتي ترتبط عادة بزيادة خطر الإصابة بسرطان الدم وأمراض القلب واضطرابات نخاع العظم.
ورغم ذلك، لم تُصب برانياس بأي نوع من السرطان أو الخرف أو الأمراض القلبية الوعائية الخطيرة، وهو ما اعتبره الباحثون أحد أبرز الاكتشافات التي توصلت إليها الدراسة.
عوامل حماية استثنائية
وكشفت النتائج أن المعمّرة الإسبانية امتلكت مجموعة من المتغيرات الجينية النادرة المرتبطة بصحة الجهاز المناعي والدماغ والقلب وتحسين وظائف الميتوكوندريا المسؤولة عن إنتاج الطاقة داخل الخلايا.
كما أظهرت تحاليل الدم مستويات منخفضة للغاية من الكوليسترول فائق الانخفاض الكثافة (VLDL) والدهون الثلاثية، إلى جانب مستويات مرتفعة من الكوليسترول عالي الكثافة (HDL)، المعروف باسم "الكوليسترول الجيد".
وسجل الباحثون أيضا مستويات منخفضة بصورة استثنائية من الالتهابات المزمنة، وهي أحد العوامل الرئيسية المرتبطة بأمراض الشيخوخة.
ميكروبيوم شاب رغم العمر المتقدم
ومن بين النتائج اللافتة، رصد العلماء مستويات مرتفعة من بكتيريا "بيفيدوباكتيريوم" المفيدة في أمعاء برانياس، وهي بكتيريا ترتبط بتأثيرات مضادة للالتهابات وتحسين عمليات التمثيل الغذائي.
وأشار الباحثون إلى أن هذه البكتيريا تنخفض عادة مع التقدم في العمر، إلا أنها ظهرت بمستويات مرتفعة لدى برانياس، التي اعتادت تناول نحو ثلاثة أكواب من الزبادي يوميا خلال العقدين الأخيرين من حياتها، وهو ما قد يكون ساهم في دعم صحة ميكروبيوم الأمعاء لديها.
عمر بيولوجي أصغر بـ23 عاما
أما أكثر النتائج إثارة فتمثلت في تحليل الإبيجينوم، وهو النظام الكيميائي المسؤول عن تنظيم نشاط الجينات.
وأظهرت "الساعات الإبيجينية" المستخدمة لقياس العمر البيولوجي أن خلايا برانياس كانت أصغر من عمرها الزمني الحقيقي بكثير، حيث كشفت إحدى طرق القياس عن فارق تجاوز 23 عاما.
ويرى الباحثون أن هذه النتيجة قد تفسر قدرتها على بلوغ عمر استثنائي مع الاحتفاظ بصحة جيدة نسبيا حتى سنواتها الأخيرة.
فهم جديد للشيخوخة
وخلصت الدراسة إلى أن حالة ماريا برانياس تقدم نموذجا فريدا لفهم العلاقة المعقدة بين الشيخوخة والمرض، إذ حمل جسدها مؤشرات واضحة للتقدم في العمر، لكنه تجنب في الوقت نفسه العديد من أكثر الأمراض شيوعا وخطورة لدى كبار السن.
وأكد الباحثون أن النتائج تفتح آفاقا جديدة لتحديد مؤشرات حيوية مرتبطة بالشيخوخة الصحية، وقد تسهم مستقبلاً في تطوير استراتيجيات تساعد على إطالة العمر المتوقع مع الحفاظ على جودة الحياة والصحة العامة.