في مشهد قد يبدو مناقضا للمنطق، تعتمد البحرية الأمريكية استراتيجية خاصة عند اقتراب الأعاصير والعواصف المدارية العنيفة، تقوم على إخراج سفنها الحربية من الموانئ ودفعها إلى عرض البحر بدلا من إبقائها في مواقع الرسو الآمنة ظاهريا.
وبحسب تقرير نشره موقع SlashGear، فإن هذه الخطوة ليست استعراضا للقوة أو مخاطرة غير محسوبة، بل إجراء عملياتي مدروس يستند إلى عقود من الخبرة البحرية والدروس المستخلصة من الكوارث الطبيعية السابقة.
لماذا تغادر السفن الموانئ أثناء الأعاصير؟
ترى البحرية الأمريكية أن بقاء السفن داخل الموانئ خلال الأعاصير قد يشكل خطرا أكبر من الإبحار وسط العاصفة نفسها، فالسفن الراسية تكون عرضة لانقطاع حبال التثبيت، أو الاصطدام بالأرصفة والسفن الأخرى، فضلا عن احتمالات تعرض البنية التحتية للموانئ لأضرار جسيمة نتيجة الرياح العاتية وارتفاع الأمواج.
أما في عرض البحر، فتتمتع السفن بحرية كاملة للمناورة وتغيير الاتجاه والسرعة، ما يسمح لها بتفادي المناطق الأخطر من العاصفة والتعامل مع الأمواج بطريقة أكثر أمانا، خصوصا أن السفن الحربية مصممة أصلا للعمل في الظروف البحرية القاسية.
ويشير التقرير إلى أن ارتفاع حرارة المحيطات خلال السنوات الأخيرة ساهم في زيادة شدة الأعاصير، إذ تؤدي المياه الدافئة إلى تغذية العواصف بكميات أكبر من الطاقة وبخار الماء، ما ينتج عنه رياح أقوى وأمطار أكثر غزارة عند وصولها إلى اليابسة.
إعصار فلورنس.. نموذج عملي للاستراتيجية
وخلال إعصار "فلورنس" الذي ضرب الساحل الشرقي للولايات المتحدة عام 2018، أصدرت البحرية الأمريكية أوامر بخروج نحو 30 سفينة حربية من قواعدها البحرية والتوجه إلى البحر المفتوح فيما يعرف باسم "Sortie Order" أو "أمر الطلعة البحرية".
وشملت العملية سفنا متمركزة في Naval Station Norfolk، أكبر قاعدة بحرية في العالم.
وفي ذلك الوقت، أوضح الأدميرال البحري جون ماير، قائد مجموعة هجومية لحاملة طائرات آنذاك، أن الهدف من هذه الأوامر هو "منح السفن قدرة أكبر على المناورة وتفادي العاصفة"، مؤكدا أن إبقاء السفن داخل الموانئ يزيد من احتمالات تعرضها للتلف أو تضرر الأرصفة والمنشآت البحرية.
أنظمة استعداد دقيقة قبل وصول العواصف
ولا تنتظر البحرية الأمريكية وصول الأعاصير للتحرك، بل تعتمد منظومة استعداد مبكرة تُعرف باسم Sortie Condition، وتتضمن ثلاث درجات رئيسية تحدد توقيت مغادرة السفن للموانئ:
Condition Charlie: استعداد لمغادرة الميناء خلال 48 ساعة.
Condition Bravo: تقليص المهلة إلى 24 ساعة.
Condition Alpha: تنفيذ المغادرة بشكل فوري.
كما تخضع السفن الحربية لاختبارات صارمة لضمان قدرتها على تحمل الظروف الجوية القاسية، بينما تعتمد البحرية على أنظمة متطورة للتنبؤ الجوي وصور الأقمار الصناعية وتقنيات تتبع الأعاصير لتحديد أفضل مسارات الإبحار.
إجراءات خاصة للسفن غير القادرة على المغادرة
ورغم هذه الخطط، لا تتمكن بعض السفن من الإبحار بسبب أعمال الصيانة أو الإصلاحات الفنية. وفي هذه الحالات، تتخذ البحرية إجراءات احترازية إضافية تشمل:
تعزيز حبال التثبيت،
إسقاط المراسي الإضافية،
وفصل السفن عن مصادر الكهرباء البرية.
وتؤكد البحرية الأمريكية أن هذه الاستراتيجية تهدف بالدرجة الأولى إلى حماية الأسطول البحري والأفراد العاملين عليه، إلى جانب الحفاظ على أصول عسكرية تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، حتى في مواجهة أقسى الظواهر الجوية.