طرحت دراسة حديثة فرضية هندسية جديدة قد تفسر الطريقة التي بُني بها الهرم الأكبر في الجيزة المصرية، أحد أعظم الإنجازات المعمارية في التاريخ القديم، وذلك عبر نظام منحدرات حلزونية داخلية يُعتقد أنه مكّن العمال المصريين القدماء من تشييد الهرم بسرعة ودقة مذهلتين باستخدام أدوات العصر البرونزي فقط.

وبحسب الدراسة، فإن بناء الهرم الأكبر، المعروف أيضا باسم هرم خوفو، تطلب استخدام نحو 2.3 مليون كتلة من الحجر الجيري والجرانيت، فيما يبلغ ارتفاعه الأصلي نحو 146.6 مترا، وعرض قاعدته حوالي 230 مترا.

ويشير الباحثون إلى أن الهرم شُيّد خلال فترة تراوحت بين 20 و27 عاما، وهي مدة تعادل تقريبا فترة حكم فرعون واحد، ما يعني أن العمال كانوا بحاجة إلى وضع كتلة حجرية واحدة كل ثلاث دقائق تقريبا للحفاظ على وتيرة البناء المطلوبة، وهو ما أثار لعقود طويلة تساؤلات واسعة بين علماء الآثار والمهندسين حول كيفية تنفيذ المشروع بهذه الكفاءة.

ممر حلزوني مخفي داخل الهرم

وتتمحور الفرضية الجديدة حول ما يُعرف بنظام "المنحدرات المتعددة"، وهو تصميم يعتمد على إنشاء ممر مؤقت داخل الطبقات الخارجية للهرم بدلا من استخدام منحدر خارجي ضخم كما تفترض بعض النظريات التقليدية.

ووفقا للتصور المقترح، كان الممر يلتف بشكل حلزوني حول محيط الهرم أثناء عملية البناء، بعرض يصل إلى نحو 3.8 أمتار، وبزاوية انحدار تبلغ حوالي 7 درجات فقط، ما يسمح بسحب الكتل الحجرية تدريجيا نحو الأعلى.

كما تفترض الدراسة أن بعض أحجار الحواف والزوايا تُركت مؤقتا مفتوحة لتشكيل هذا الممر، قبل أن يتم ردمه وإغلاقه بالكامل بعد الانتهاء من بناء الأجزاء العليا، الأمر الذي قد يفسر غياب آثار واضحة لهذا النظام حتى اليوم.

عدة منحدرات لتسريع البناء

ويقف وراء هذا ترجيح النموذج الباحث والمهندس الإسباني Vicente Luis Rosell Roig، الذي اقترح تطوير فكرة المنحدر الواحد إلى شبكة متدرجة من المنحدرات تعمل بالتوازي.

ووفقا للنموذج، كان من الممكن استخدام 16 منحدرا في الطبقات السفلية العريضة من الهرم، ثم تقليل العدد تدريجيا مع تقلص المساحة كلما ارتفع البناء، ليصبح العدد ثمانية ثم أربعة ثم اثنين، وصولا إلى منحدر واحد فقط قرب القمة.

ويرى الباحث أن هذا النظام كان يسمح بوضع كتلة حجرية كل أربع إلى ست دقائق على كل منحدر نشط، وهو معدل كافٍ لإنجاز أعمال البناء الرئيسية خلال فترة تتراوح بين 13.8 و20.6 عاما، قبل إضافة مراحل استخراج الأحجار ونقلها عبر نهر النيل وفترات التوقف اليومية.

اختبارات هندسية حديثة

ولم تقتصر الدراسة على التصور النظري فقط، بل خضع النموذج لاختبارات باستخدام تقنية "تحليل العناصر المحدودة"، وهي أداة هندسية حديثة تُستخدم لقياس قدرة المنشآت على تحمل الضغوط والأحمال.

وأظهرت النتائج أن الفراغات المؤقتة الناتجة عن الممرات الداخلية لم تكن لتؤثر على استقرار الهرم أو قدرة الحجر الجيري على تحمل الوزن الهائل للبناء.

كما أخذ النموذج في الاعتبار تفاصيل عملية دقيقة، بينها الحواجز الواقية، ومنصات المناورة عند الزوايا، وتنظيم حركة العمال، إضافة إلى آلية خاصة لنقل كتل الجرانيت الضخمة المستخدمة في "حجرة الملك"، والتي يُعتقد أنها رُفعت تدريجيا بواسطة الروافع والحبال ومنحدرات قصيرة بدلا من المرور عبر الممر الحلزوني.

آثار محتملة يمكن رصدها

وأشار الباحث إلى أن هذه الفرضية قابلة للاختبار ميدانيا، إذ يُفترض أن تكون قد تركت آثارا محددة، مثل بقايا مواد ردم على الحواف الخارجية، وعلامات تآكل عند الزوايا، وتشوهات موضعية يمكن اكتشافها باستخدام الرادار المخترق للأرض.

كما أوضح أن تصميم المنحدرات يتوافق جزئيا مع بعض الفراغات الداخلية التي كشفتها تقنيات التصوير بجسيمات الميون داخل الهرم خلال السنوات الماضية، مع التأكيد على أن تلك الفراغات لا تشكل دليلا حاسما على صحة النظرية.

ويأمل الباحثون أن تسهم عمليات المسح والفحص المستقبلية داخل الهرم الأكبر في تقديم أدلة أوضح حول تقنيات البناء الحقيقية التي استخدمها المصريون القدماء، والتي لا تزال حتى اليوم واحدة من أعظم ألغاز الهندسة المعمارية في التاريخ.