كشفت تقارير ودراسات حديثة في الولايات المتحدة عن تصاعد الجدل بشأن جدوى الاعتماد المكثف على التكنولوجيا داخل المدارس، بعد إنفاق مليارات الدولارات على الحواسيب والأجهزة اللوحية، مقابل نتائج تعليمية وُصفت بالراكدة، وتراجع ملحوظ في مستويات القراءة والرياضيات والإبداع لدى جيل الشباب.
وبحسب تقارير إعلامية أمريكية، أنفقت المدارس الأمريكية نحو 30 مليار دولار على التكنولوجيا التعليمية خلال عام 2024 وحده، وهو رقم يزيد بعشرة أضعاف على حجم الإنفاق المخصص للكتب المدرسية التقليدية، وسط توسع غير مسبوق في استخدام الشاشات داخل الفصول الدراسية.
وتعود جذور هذا التوجه إلى عام 2002، عندما أصبحت ولاية مين أول ولاية أمريكية توزع حواسيب محمولة على جميع طلاب الصف السابع، ضمن مشروع استهدف تقليص الفجوة الرقمية وربط المدارس بالإنترنت.
وشمل البرنامج توزيع أجهزة "أبل آي بوك" على نحو 17 ألف طالب في 243 مدرسة، مع تخصيص ميزانية سنوية بلغت 12 مليون دولار.
وبحلول عام 2016، امتلكت مدارس الولاية نحو 66 ألف جهاز بين حواسيب وأجهزة لوحية، في تجربة تحولت إلى أحد أكبر الاختبارات الحكومية للتكنولوجيا التعليمية في الولايات المتحدة.
لكن بعد أكثر من 15 عاماً على انطلاق المشروع، أظهرت نتائج الاختبارات الموحدة في ولاية مين بقاء مستويات الطلاب دون تحسن ملموس، رغم الانتشار الواسع للأجهزة داخل المدارس.
وقالت الباحثة في سياسات التعليم بجامعة جنوب مين، آيمي جونسون، إن المشكلة لم تكن في توفير التكنولوجيا نفسها، بل في غياب التدريب الكافي للمعلمين على دمجها بصورة فعالة داخل العملية التعليمية.
وأضافت أن المدارس حصلت على الأجهزة، بينما لم يحصل المعلمون على الأدوات والخبرات اللازمة لاستثمارها بشكل يعزز التعلم الحقيقي للطلاب.
وأظهرت التقارير كذلك وجود فجوة واضحة بين المدارس الغنية والفقيرة في طريقة استخدام التكنولوجيا، ففي المناطق الأكثر ثراءً، استخدم الطلاب الحواسيب في مشاريع إبداعية وتعاونية متقدمة، بينما اقتصر الاستخدام في المدارس الريفية والفقيرة على تطبيقات أساسية مثل "وورد" و"باوربوينت".
وأدى هذا التفاوت، بحسب مراقبين، إلى ظهور فجوات تعليمية جديدة، رغم أن المشروع أُطلق أساساً بهدف تقليص الفوارق الرقمية بين الطلاب.
وفي سياق متصل، أشار تحليل نشرته وكالة "بلومبرغ" إلى أن جيل "زد" بات يسجل نتائج أدنى من الأجيال السابقة في اختبارات الرياضيات والقراءة والإبداع، في أول تراجع من نوعه ضمن السجلات الأكاديمية الحديثة، رغم التوسع الكبير في الإنفاق على التكنولوجيا التعليمية.
كما تحولت مسألة الوقت الذي يقضيه الطلاب أمام الشاشات إلى محور رئيسي في النقاش التربوي داخل الولايات المتحدة.
وأظهر استطلاع أجراه EdWeek Research Center عام 2021 أن أكثر من نصف المعلمين أكدوا أن الطلاب يستخدمون التكنولوجيا التعليمية ما بين ساعة وأربع ساعات يومياً، بينما أفاد 27% بأن الاستخدام يتجاوز خمس ساعات يومياً.
وفي دراسة أكاديمية نُشرت بمجلة Computers and Education، تبين أن الطلاب الجامعيين يقضون نحو 63% من وقت استخدام الحواسيب داخل القاعات الدراسية في أنشطة لا ترتبط بالمحاضرات، وعلى رأسها تصفح شبكات التواصل الاجتماعي.
ودفعت هذه التطورات بعض المعلمين إلى العودة لاستخدام الوسائل التقليدية داخل الصفوف، ففي مدرسة "غورهام الثانوية" بولاية مين، بدأ أستاذ السياسة الأمريكية جيمس ويلش بإلزام الطلاب بكتابة المسودات الأولى بخط اليد، بعدما لاحظ تراجع جودة النصوص المكتوبة رقمياً وازدياد المقاطع المنسوخة وضعف الترابط اللغوي.
وفي الوقت نفسه، حذرت دراسات حديثة من التأثير المتزايد لتطبيقات الفيديو القصير على تركيز الطلاب.
وأظهرت دراسة أجرتها جامعة بايلور الأمريكية عام 2025 أن تطبيق "تيك توك" يتفوق على المنصات المنافسة في قدرته على جذب المستخدمين وإبقائهم متفاعلين لفترات طويلة، بفضل سهولة الاستخدام ودقة اقتراح المحتوى.
ويرى خبراء أن التجربة الأمريكية أعادت فتح النقاش عالمياً حول التوازن المطلوب بين التكنولوجيا والوسائل التعليمية التقليدية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تأثير الشاشات على التركيز والمهارات الأساسية لدى الطلاب.