لعقود طويلة، اعتمدت ملايين الأسر على رقم شبه ثابت لضبط أجهزة التكييف والتدفئة داخل المنازل، حيث كان يُنظر إلى 19 درجة مئوية كمعيار شائع للراحة وكفاءة استهلاك الطاقة. هذا الرقم ظهر في إرشادات قديمة وحملات توعوية، لكنه اليوم بات موضع إعادة تقييم من قبل خبراء الطاقة والصحة العامة، الذين يؤكدون أنه لم يعد مناسبا لطبيعة المنازل الحديثة أو أساليب المعيشة الحالية.
تشير توصيات خبراء الطاقة إلى أن أفضل إعداد للمكيف لتحقيق التوازن بين الراحة وتوفير استهلاك الكهرباء هي 24 درجة مئوية، حيث يُعتبر هذا المدى الأكثر كفاءة في معظم المنازل. فاختيار درجة 24 يوفر برودة مريحة في الأجواء الحارة ويساعد بشكل أكبر في تقليل استهلاك الكهرباء وخفض فاتورة الطاقة. ويؤكد المختصون أن خفض درجة المكيف بشكل مبالغ فيه لا يضيف راحة كبيرة بقدر ما يزيد من الضغط على الجهاز ويرفع الاستهلاك، لذلك يُنصح دائمًا بالاعتماد على درجات معتدلة بدل التبريد الشديد لتحقيق أفضل توازن بين الأداء والتوفير.
وتشير توصيات مؤسسات صحية مثل منظمة الصحة العالمية وهيئات الطاقة في المملكة المتحدة إلى أن الحفاظ على درجات حرارة معتدلة ومستقرة داخل المنازل يُعد عاملًا مهمًا في حماية الصحة العامة وتحسين جودة الحياة. فالتقلبات الشديدة في درجات الحرارة، سواء بالارتفاع أو الانخفاض، قد تؤثر سلبا على الجهاز التنفسي، خاصة لدى الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة. كما أن البرودة الزائدة أو الرطوبة غير المنضبطة داخل المنزل قد تؤدي إلى تكوّن العفن وتكاثر البكتيريا، ما ينعكس على جودة الهواء الداخلي ويزيد من احتمالات الحساسية والربو. لذلك، ينصح الخبراء بالحفاظ على بيئة منزلية متوازنة تعتمد على درجات حرارة معتدلة وثابتة قدر الإمكان، إلى جانب التهوية الجيدة، من أجل تقليل هذه المخاطر الصحية وتعزيز الشعور بالراحة والاستقرار داخل المنزل.
الخبراء يوضحون أن التمسك بدرجات منخفضة جدا في المكيف قد يؤدي إلى استهلاك كهرباء أعلى، إضافة إلى تأثيرات صحية مثل جفاف الهواء أو الإجهاد الحراري عند الانتقال بين بيئات مختلفة. كما أن البرودة المفرطة داخل المنزل قد تسبب تكاثف الرطوبة على الجدران، ما يزيد من احتمالات نمو العفن وتدهور جودة الهواء الداخلي.
في المقابل، تعود فكرة 19 درجة مئوية إلى حقبة سبعينيات القرن الماضي، عندما فرضت أزمة الطاقة آنذاك سياسات صارمة لترشيد الاستهلاك. في ذلك الوقت، كانت أنظمة التكييف والعزل أقل تطورًا، ما جعل هذا الرقم مجرد حل مؤقت وليس معيارًا علميًا دقيقًا.
الصيانة الدورية
اليوم، ومع تطور أجهزة التكييف الذكية وأنظمة التحكم الحراري، أصبحت المنازل قادرة على ضبط درجات الحرارة بدقة أكبر حسب الغرف وأوقات الاستخدام. وتشير الدراسات إلى أن رفع درجة المكيف بشكل طفيف فقط يمكن أن يحقق وفراً ملحوظاً في استهلاك الكهرباء دون التأثير على مستوى الراحة داخل المنزل.كما ينصح الخبراء باستخدام أنظمة التهوية الجيدة ومراقبة مستوى الرطوبة داخل المنزل، إلى جانب الصيانة الدورية لأجهزة التكييف لضمان كفاءة أعلى وأداء مستقر.
تهوية المنزل
ويقول الخبراء إن درجة الحرارة وحدها لا تُحدد ما إذا كان المنزل صحيا. ففتح النوافذ والأبواب لمدة خمس إلى عشر دقائق يوميا، أو ما يُعرف أحيانًا بـ"تهوية المنزل"، يُساعد على دوران الهواء النقي دون تبريد هيكل المبنى. كما تعمل مراوح الشفط في المطابخ والحمامات على سحب الرطوبة من مصدرها. ويُمكن لأي منزل استخدام مقياس رطوبة بسيط لمراقبة الرطوبة الداخلية والحفاظ عليها أقل من 60%، وهي النسبة التي يرتفع عندها خطر نمو العفن.
منع تسرب الهواء
يُعد منع تسرب الهواء داخل المنزل عاملا مهما في تحسين كفاءة التكييف. فغالبا ما يتم تجاهل الفجوات الصغيرة في الأرضيات وحول الأبواب، رغم أنها تسمح بتسرب الهواء البارد أو الدافئ وتؤثر بشكل مباشر على استقرار درجة الحرارة الداخلية.
لذلك، يُعتبر سد هذه الفجوات في الأرضيات والأبواب من الحلول منخفضة التكلفة والفعّالة، إذ يساعد على الحفاظ على درجة حرارة أكثر ثباتا داخل الغرف ويقلل من فقدان الطاقة. ومع تزايد اعتماد المنازل الحديثة على أنظمة التحكم الذكية وتحسين مستويات العزل الحراري، أصبحت القدرة على ضبط درجات الحرارة بدقة أعلى وأسهل من أي وقت مضى.