في اكتشاف تاريخي استغرق أكثر من 100 عام، تمكن الباحثون من إعادة رسم ملامح نهاية واحدة من أهم الغواصات العسكرية المبكرة في التاريخ، وهي الغواصة الكونفدرالية H.L. Hunley التي تعود إلى حقبة الحرب الأهلية الأمريكية.
الغواصة، التي تُعد أول غواصة في التاريخ تنجح في إغراق سفينة حربية معادية في معركة، نفذت هجومها الحاسم في 17 فبراير 1864، عندما استهدفت السفينة الأمريكية USS Housatonic باستخدام طوربيد رمحي مثبت على مقدمة الهيكل.
وأسفر الهجوم عن غرق السفينة، لكنه أدى في الوقت نفسه إلى اختفاء الغواصة بالكامل مع طاقمها المكوّن من ثمانية أفراد.
وظلت الغواصة مفقودة لأكثر من 130 عاما، حتى تم اكتشافها عام 1995 على يد فريق بقيادة الكاتب والباحث كلايف كاسلر، قبل أن يتم انتشالها رسميا في عام 2000 من قاع البحر، غير أن المفاجأة الكبرى ظهرت عند فحص الحطام، حيث وُجد أفراد الطاقم جالسين في أماكنهم داخل الغواصة، دون أي علامات على محاولات للهروب، وهو ما أثار لغزا طويلا حول سبب وفاتهم المفاجئ.
وبعد 17 عاما من الأبحاث، توصل فريق علمي من جامعة ديوك عام 2017 إلى تفسير محتمل، نُشر في مجلة PLOS One.
ووفق الدراسة، فإن الطوربيد الذي استخدمته الغواصة، والمكوّن من شحنة بارود أسود تزن نحو 135 رطلاً ومثبتة على قضيب بطول 16 قدماً، تسبب في انفجار أدى إلى موجة صدم ارتدت إلى داخل الغواصة نفسها.
وباستخدام نموذج مصغر لمحاكاة الحادثة، خلص الباحثون إلى أن الانفجار الثانوي داخل الهيكل كان قاتلا بشكل فوري، حيث قدّروا أن فرصة نجاة أي فرد من الطاقم لم تتجاوز 16% في تلك الظروف، كما أشاروا إلى أن الانفجار كان على الأرجح عنيفا لدرجة عطّل معها أي استجابة بشرية داخلية خلال أجزاء من الثانية.
ورغم أن هذه النظرية لم تخضع بعد لتأكيد مستقل شامل، فإنها تبقى التفسير الأكثر ترجيحا حتى الآن، في ظل غياب أي سيناريوهات بديلة أكثر إقناعا، وإذا صحت النتائج، فإنها تعني أن أفراد الطاقم ربما لقوا حتفهم في لحظات سريعة جدا، دون أن تتاح لهم فرصة إدراك ما حدث أو محاولة النجاة.
وبذلك، لا يزال اسم H.L. Hunley حاضرا في التاريخ ليس فقط كأول غواصة تُغرق سفينة حربية، بل أيضا كأحد أكثر حوادث الحرب البحرية غموضا في القرن التاسع عشر، وكشاهد مبكر على مخاطر التكنولوجيا العسكرية الناشئة في ذلك العصر.