تستقطب جزيرة أوشيما اليابانية، الواقعة في بحر سيتو الداخلي بمحافظة إهيمه، اهتماماً عالمياً متزايداً باعتبارها واحدة من أبرز "جزر القطط" في اليابان، حيث يفوق عدد القطط عدد السكان بشكل كبير، في مشهد يجمع بين التاريخ والتحولات الديموغرافية والواقع البيئي الفريد.
جزيرة صغيرة وسكان من نوع مختلف
لا تتجاوز مساحة جزيرة أوشيما نحو 0.5 كيلومتر مربع، ويعيش فيها اليوم ما يقارب 80 قطة ضالة، مقابل ثلاثة أشخاص فقط من كبار السن، هذا التفاوت الحاد يجعل نسبة القطط إلى البشر تقارب 27 إلى 1، لتصبح الجزيرة من أبرز الأمثلة على الجزر اليابانية التي تغلب فيها القطط على السكان.
ورغم شهرتها الحالية، تواجه الجزيرة احتمال التحول إلى مكان خالٍ من البشر خلال السنوات القليلة المقبلة، نتيجة التقدم في العمر وانعدام التجديد السكاني، مع استمرار تراجع أعداد القطط أيضاً.
من مركز لصيد السردين إلى جزيرة شبه مهجورة
تعود جذور أوشيما إلى القرن السابع عشر، حين كانت مجتمعاً مزدهراً لصيد السردين وموطناً لنحو 900 شخص، وخلال تلك الفترة، جلب الصيادون القطط إلى الجزيرة بهدف مكافحة القوارض التي كانت تتسبب في تلف شباك الصيد.
لكن مع انهيار صناعة الصيد خلال القرن العشرين، بدأت الهجرة التدريجية للسكان إلى البر الرئيسي، تاركين وراءهم منازلهم وقططهم، ما أدى إلى تكاثر القطط بشكل غير منضبط عبر السنوات.
تراجع أعداد القطط وغياب التكاثر
قبل نحو عقد من الزمن، كان عدد القطط في الجزيرة يقترب من 200 قطة، إلا أن حملة واسعة للتعقيم والإخصاء نُفذت عام 2018 أدت إلى انخفاض العدد إلى أكثر من النصف، مع توقف شبه كامل لولادات جديدة منذ ذلك الحين.
وتشير التقارير إلى أن جميع القطط الحالية تقريباً يتجاوز عمرها سبع سنوات، فيما يعاني نحو ثلثها من مشكلات صحية مرتبطة نتيجة عزلة جينية استمرت لعقود.
رعاية محلية ودعم من أنحاء اليابان
تتولى إحدى سكان الجزيرة المسنّات، والمعروفة محلياً باسم "أم القطط"، مهمة رعاية الحيوانات، حيث تقوم بإطعامها مرتين يومياً وتقديم العلاج عند الحاجة، معتمدَة على تبرعات غذائية تصل من مختلف مناطق اليابان.
وقالت في تصريحات صحفية: "نعيش يوماً بيوم. سيأتي وقت لن يبقى فيه أحد هنا، لا بشر ولا قطط. لكننا نحاول الاعتناء بها طالما نحن هنا".
حياة القطط بين الأنقاض والطبيعة
تعيش القطط في منازل مهجورة ومبانٍ متداعية تضررت بفعل الأعاصير والعوامل الجوية، وتتنقل بحرية في بيئة شبه خالية من النشاط البشري.
وتعتمد في غذائها على التبرعات، إضافة إلى افتراس بعض الكائنات الصغيرة في الجزيرة، رغم أن تأثيرها البيئي لا يزال غير محسوم بشكل كامل.
جدل حول واقع القطط في الجزيرة
ورغم أن صور القطط المنتشرة عبر الإنترنت توحي ببيئة مثالية، يؤكد القائمون على رعايتها أن الواقع أكثر تعقيداً، حيث تعاني بعض الحيوانات من العمى أو الهزال أو الأمراض المزمنة، وهو ما يعتبرونه جزءاً من طبيعة الحياة البرية في بيئة معزولة.
دراسات جينية وسياحة متزايدة
أظهرت دراسة جينية نُشرت عام 2023 أن قطط أوشيما تنحدر من مجموعة سكانية صغيرة جداً، ما أدى إلى اختلافات واضحة في الجينات المسؤولة عن لون الفراء، وهو ما يفسر انتشار القطط البرتقالية والصدفية بشكل كبير في الجزيرة.
ورغم التحديات، تحولت الجزيرة إلى وجهة سياحية لافتة، حيث يقصدها الزوار عبر رحلات يومية بالقوارب لمشاهدة القطط وإطعامها، ما يضيف بعداً سياحياً لجزيرة تعيش مرحلة انتقالية بين الازدهار والانحسار.
مستقبل غامض
في ظل استمرار تراجع أعداد السكان والقطط معاً، يبقى مستقبل جزيرة أوشيما غير واضح، بين احتمال تحولها إلى جزيرة خالية تماماً من البشر، أو استمرارها كموطن طبيعي لمجتمع قططي يتراجع تدريجياً، في واحدة من أكثر الحالات الفريدة في الجغرافيا الاجتماعية اليابانية الحديثة.