بالماء تُعرف الحياة، ورغم أنه شائع بيننا، ومعروف مكوناته، إلا أن أسراره الفيزيائية لم تكشف كلها بعد، وحيّر العلماء لعقود طويلة بسبب سلوكه غير المعتاد مقارنةً ببقية السوائل.

وفي تطور علمي لافت، أعلن باحثون من جامعة ستوكهولم عن اكتشاف نقطة حرجة خفية في الماء فائق التبريد، ما قد يفسّر العديد من خصائصه الفيزيائية الغامضة التي حيّرت العلماء منذ أكثر من قرن.

يرتكز هذا الاكتشاف على دراسة الماء في ظروف غير عادية، حيث يتم تبريده إلى درجات حرارة منخفضة جداً تصل إلى نحو -63 درجة مئوية، مع تطبيق ضغط عالٍ يقارب 1000 ضغط جوي، دون أن يتجمد.

في هذه الحالة، التي تُعرف بـ"التبريد الفائق"، لاحظ الباحثون وجود ظاهرة غير متوقعة، تتمثل في وجود شكلين مختلفين من الماء السائل، يختلفان في البنية الجزيئية والكثافة.

وباستخدام تقنيات متقدمة تعتمد على نبضات الليزر بالأشعة السينية فائقة السرعة، تمكّن العلماء من مراقبة الماء في هذه الحالة قبل أن يتحول إلى جليد.

وقد أظهرت النتائج أن هذين الشكلين من الماء يمكن أن يندمجا في نقطة معينة تُعرف بـ"النقطة الحرجة"، حيث يختفي التمييز بينهما ويتحولان إلى حالة واحدة. هذا الاكتشاف يُعد دليلاً تجريبياً قوياً يدعم نظرية طالما كانت موضع نقاش في الأوساط العلمية.

تكمن أهمية هذه النتائج في قدرتها على تفسير السلوك غير الاعتيادي للماء في الظروف الطبيعية، فعلى عكس معظم المواد التي تزداد كثافتها عند التبريد، يصل الماء إلى أعلى كثافة له عند 4 درجات مئوية، ثم يبدأ بالتمدد عند انخفاض درجة الحرارة أكثر، وهو ما يفسر طفو الجليد فوق سطح الماء.

كما أن خصائص أخرى مثل السعة الحرارية والانضغاطية تُظهر تغيرات غير مألوفة، يمكن ربطها بوجود هذا التحول بين حالتين سائلتين.

وتعود جذور هذا اللغز العلمي إلى أعمال الفيزيائي الألماني فيلهلم رونتغن، الذي اقترح منذ أواخر القرن التاسع عشر أن الماء قد يمتلك بنية مزدوجة، واليوم، وبعد أكثر من مئة عام، يأتي هذا الاكتشاف ليعزز تلك الفرضية ويضع أساساً علمياً متيناً لفهم طبيعة الماء.

كما لاحظ الباحثون أن سلوك الماء بالقرب من هذه النقطة الحرجة يتسم ببطء شديد في الحركة الديناميكية، ما يشبه حالة "الاحتجاز" الفيزيائي، في تشبيه أطلق عليه العلماء "تأثير شبيه بالثقب الأسود". هذا التباطؤ يعكس حساسية النظام في تلك المرحلة، حيث تتغير خصائصه بشكل حاد نتيجة تقلبات دقيقة في درجة الحرارة والضغط.

لا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على الجانب النظري فقط، بل تمتد لتشمل مجالات متعددة مثل الكيمياء والبيولوجيا وعلوم المناخ، ففهم سلوك الماء بدقة أكبر قد يسهم في تطوير نماذج مناخية أكثر دقة، وتحسين فهم العمليات الحيوية التي تعتمد على الماء، بل وربما الكشف عن أسرار تتعلق بأصل الحياة نفسها.

يمثل هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو حل أحد أقدم ألغاز الفيزياء والكيمياء، ويؤكد أن الماء، رغم بساطته، لا يزال يحمل في طياته أسراراً عميقة تنتظر من يكتشفها.