أزاح فريق من الباحثين الستار عن اكتشاف أثري لافت بعد تحليل غير مسبوق لمومياء طفل مصري محفوظة في بولندا، حيث تم العثور على جسم طقسي غامض مخبأ أسفل الصدر، في خطوة قد تعيد تشكيل فهم الممارسات الجنائزية في مصر القديمة.

الدراسة، التي نُشرت في مارس 2026 في مجلة Digital Applications in Archaeology and Cultural Heritage، تناولت مومياء محفوظة منذ عام 1914 داخل المتحف الأبرشي في مدينة فروتسواف، تعود لطفل عاش قبل أكثر من ألفي عام، وتحديداً خلال العصر البطلمي (332–30 قبل الميلاد).

إعادة بناء تاريخ مفقود

فُقدت السجلات الأصلية المتعلقة بالمومياء خلال الحرب العالمية الثانية، ما دفع الباحثين إلى الاعتماد على تقنيات علمية حديثة لإعادة تتبع أصولها وظروف حياتها ووفاتها.

وشملت هذه التقنيات الأشعة السينية، والتصوير المقطعي المحوسب، وتحليل الأنسجة الرخوة، ما أتاح فحصاً دقيقاً دون المساس بسلامة الجسد المحنط.

اكتشاف جسم طقسي غامض

أبرز ما توصل إليه الفريق هو وجود جسم طقسي محفوظ بعناية أسفل صدر الطفل، ظل مخفياً طوال قرون.

كما كشفت الفحوص عن جسم آخر في المنطقة نفسها، يُرجح أن يكون بردية تحمل اسم الطفل، وفقاً للباحثة أغاتا كوبالا من جامعة فروتسواف، إحدى المشاركات في الدراسة.

ويُنظر إلى هذا الاكتشاف بوصفه دليلاً جديداً على تعقيد الطقوس الجنائزية المصرية، خاصة تلك المتعلقة بالأطفال، وهي فئة لا تزال دراستها محدودة مقارنة بالبالغين.

تفاصيل دقيقة عن التحنيط

أظهرت التحليلات أن الطفل توفي في سن تقارب الثامنة، وخضع لعملية تحنيط متقدمة شملت إزالة الدماغ عبر التجويف الأنفي، واستخراج معظم الأعضاء الداخلية، وهي تقنيات تقليدية في التحنيط المصري القديم.

كما لاحظ الباحثون أن الرأس والعنق مكشوفان جزئياً، ويبدوان بلون داكن مع ترسبات ملحية بيضاء، في حين أن الوجه لا يزال مرئياً نتيجة إزالة معظم اللفائف.

وتغطي الرأس والعنق طبقة من مادة تحنيط بنية داكنة، يُعتقد أنها استُخدمت لتقوية الأربطة.

ويرجح الفريق أن الوجه كان مغطى في الأصل بقناع جنائزي، ربما فُقد أو أُزيل في فترات لاحقة.

أصل محتمل وغموض مستمر

رغم غياب أدلة على إصابات جسدية أو أمراض واضحة، ما يجعل سبب الوفاة غير محسوم، تشير البيانات إلى أن الطفل ربما ينتمي إلى أسرة من الطبقة المتوسطة خلال العصر البطلمي.

كما تدعم النتائج فرضية أن أصوله تعود إلى منطقة أسوان جنوب مصر، بالقرب من نهر النيل.

أبحاث مستمرة بحذر علمي

أكد الفريق أن الدراسة لا تزال مستمرة، مع التركيز حالياً على تحليل الزخارف الكرتونية التي تغلف المومياء، بهدف التوصل إلى أدلة إضافية حول الهوية والأصل.

وشدد الباحثون على أن التعامل مع المومياء يتم وفق أعلى درجات الحذر، نظراً لهشاشة المواد الأثرية التي صمدت لأكثر من ألفي عام، ما يجعلها عرضة للتلف عند أي تدخل غير محسوب.

ويُتوقع أن تسهم النتائج النهائية في تقديم صورة أكثر اكتمالاً عن حياة هذا الطفل، وعن الطقوس الجنائزية في مصر القديمة، بما يعزز فهم واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية.