في منتصف القرن السابع عشر، تسلم تشارلز دي لوكلوس، باحث هولندي في الزراعة، من صديقه التركي أوجير دي بوسبيق، مجموعة من أبصال زهرة التوليب الشهيرة، رمز الجمال والأناقة، وتمكن من تحسين نوعية خاصة منها، فصارت قادرة على تحمل مناخ المناطق الباردة، لكن هذه الزهرة تسببت في أزمة اقتصادية كبيرة في القرن السابع عشر (تحديداً ما بين عامي 1635 و1637) ما زال التاريخ يذكرها بعد مضيّ مئات السنين، وأُطلق عليها اسم «جنون التوليب»، وصارت مرجعاً للاقتصاديين في تأكيد أن السلعة، التي ترتفع قيمتها بسرعة، مصيرها الانهيار، وبناء على تلك النظرية، ظهر منذ ذلك الحين مصطلح «الفقاعة المالية» أو «فقاعات المضاربة».

الأسعار والمضاربة

وخلال هذه الفترة ارتفعت أسعار أبصال التوليب بشكل مبالغ فيه، حيث وصلت قيمة البصلة الواحدة في بعض الأحيان إلى ما يعادل ثمن منزل فاخر في أمستردام أو أضعاف دخل حرفي ماهر سنوياً.

تُعد هذه الأزمة نموذجاً كلاسيكياً لدراسة سيكولوجية الجماهير والمضاربة غير العقلانية، حيث تم تداول عقود آجلة لشراء أبصال التوليب، ما سمح للمضاربين بالمشاركة في السوق دون امتلاك البصيلات فعلياً، وهو ما ضاعف من حجم الفقاعة.

وفي فبراير 1637 انهار الطلب فجأة، عندما أدرك المستثمرون أن الأسعار غير واقعية، ما أدى إلى انخفاض حاد في الأسعار، وخسائر كبيرة للمستثمرين.

في ذلك الوقت، تزايد الإقبال على الزهرة لندرتها وتمتعها بجمال خاص، وسرعان ما تحولت إلى موضوع تفاخر ورمز للرفعة، وحملت أصناف محددة منها أسماء خاصة مميزة، اشتق بعضها من أدميرالات البحرية الهولندية، وظهرت أكثرها روعة بما حملته من ألوان حية وخطوط بدت كألسنة اللهب، واتجه معظم الهولنديين، حتى عامة الناس، إلى الاستثمار فيها ببيعها وجني أرباح كبيرة من ورائها تصل إلى 4000 فلورينة (العملة السائدة آنذاك) في حين كان متوسط دخل الفرد لا يتجاوز 150 فلورينة، واختص علية القوم أنفسهم بشراء الأبصال النادرة منها بأسعار مبالغ فيها جداً، فأشعلوا المنافسة، وكانوا سبباً في الأزمة التي حدثت بسببها خلال عامين، حيث بلغ سعر الواحدة منها نحو ألف فلورينة، وكان من لا يملك المال يلجأ إلى المقايضة بالأراضي والمواشي والبيوت، أملاً بتحقيق أرباح، تصل إلى 60 ألف فلورينة في الشهر الواحد.

أرقام قياسية

تذكر سجلات الأسواق في تلك الفترة أنه في العام 1635 أُبرمت صفقة تم فيها تداول 40 بصلة مقابل 100.000 فلورينة، وعقد المؤرخون بناء على ذلك مقارنة بينت أن طناً من الزبدة لم يكن يكلف سوى 100 فلورينة، وأن 240 فلورينة كان يمكنها شراء ثمانية خنازير سمينة، كما تم تسجيل رقم قياسي ببيع بصلة شهيرة باسم «سمبر أوغسطين» مقابل 6.000 فلورينة.

انهيار الأسعار

مع استمرار أسعار التوليب في الارتفاع بدأ التجار تخزينها بغرض «تعطيش» السوق، فارتفعت الأسعار أكثر من قيمتها الحقيقية حتى تجاوزت أسعار المواشي والعقارات، لكن في شهر فبراير سنة 1637 تراجعت عروض شراء الزهرة وأبصالها، فانهارت الأسعار مع زيادة المعروض منها للبيع، وحدث «إغراق» السوق بها، ومع حلول شهر أبريل من السنة نفسها، أي خلال شهرين فقط، تحولت تلك الأسعار الجنونية إلى وهم كبير، وتكبد المستثمرون خسائر فادحة طالت بيوتهم وعقاراتهم ومواشيهم، وخسروا ثرواتهم، ولم يستطع كثيرون منهم التعافي طوال سنوات عديدة، وبُذلت محاولات لتصحيح الأوضاع، لكنها باءت بالفشل، ومثُل كثيرون أمام المحاكم، بسبب عجزهم عن تسديد قيمة العقود الآجلة، التي اعتبرها القضاة «عقود مقامرة لا تحظى بحماية القانون».

«جنون القطيع»

بعد قرنين من تلك الحادثة الشهيرة، كتب عنها صحفي بريطاني مختص في الاقتصاد كتاباً بعنوان «جنون القطيع، وأوهام العامة» عام 1843، وتناولها بالنقد والتحليل، لكن أُخذ عليه أنه تجنّب الحديث عن الطاعون الذي أصاب البلاد في المرحلة نفسها، وأنه غضّ النظر أيضاً في تحليله عن آثار حرب الثلاثين عاماً في أوروبا (1618 – 1648).

وقعت نسخة مشابهة لحادثة «جنون التوليب» اجتاحت بقية مناطق أوروبا، لكنها لم تبلغ ما بلغته الأمور في هولندا؛ ففي إنجلترا في العام 1800 كان من الشائع أن يشتري المرء بصيلة توليب واحدة بمبلغ يكفي عاملاً وعائلته حاجتهم من الطعام والشراب والملبس طوال 6 أشهر.