هل يساعد إغلاق العينين فعلاً على تحسين السمع، أم أنه مجرد اعتقاد شائع لا أساس له؟ كثير من الناس يظنون أن إغماض العينين عند محاولة التقاط صوت خافت يساعد الدماغ على التركيز السمعي، عبر تقليل التشتيت البصري. لكن دراسة حديثة من جامعة شنغهاي جياو تونغ جاءت لتطرح صورة مختلفة تماماً، وتفند هذا الاعتقاد المنتشر.

فقد أظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة"the Acoustical Society of America"، أن إغلاق العينين لا يحسّن السمع في البيئات الصاخبة، بل قد يؤدي إلى تراجع القدرة على تمييز الأصوات. وفي المقابل، تبين أن مشاهدة فيديو مرتبط بالصوت نفسه يمكن أن يعزز بشكل واضح من حساسية السمع وقدرة الدماغ على التقاط الإشارات الصوتية بدقة أكبر.

الدراسة، التي نُشرت في أبريل 2026، تتحدى الفكرة التقليدية القائلة إن الدماغ يعيد توجيه موارده السمعية تلقائياً عندما تُغلق العينان. فقد أجرى الباحثون تجربة على 25 مشاركاً، خضعوا لسلسلة من اختبارات الاستماع في ظروف مختلفة، وكشفت النتائج أن الدماغ يعتمد بشكل كبير على التكامل بين الحواس وليس على السمع وحده.

ركز الباحثون على قياس ما يُعرف بـ "عتبة الكشف السمعي"، أي أقل مستوى صوت يمكن تمييزه وسط ضوضاء الخلفية. واستمع المشاركون إلى أصوات متنوعة تشمل مجداف زورق يضرب الماء، وقرع طبول، وزقزقة طائر القبرة، وصوت قطار، ونقر مفاتيح لوحة المفاتيح، مع وجود ضوضاء ثابتة تعادل 70 ديسيبل، وهي شدة تقارب ضجيج الشارع أو مكنسة كهربائية.

وكان على كل مشارك تعديل مستوى الصوت بنفسه حتى يصبح بالكاد مسموعاً، ضمن أربع حالات مختلفة: إغلاق العينين، فتح العينين أمام شاشة فارغة، مشاهدة صورة ثابتة مرتبطة بالصوت، ومشاهدة فيديو مرتبط بالصوت.

قاد الدراسة المهندس يو هوانغ، حيث تم استخدام حالة الشاشة الفارغة كمرجع أساسي للمقارنة، بهدف قياس تأثير الرؤية على السمع بدقة. وأظهرت النتائج أن المشاركين عندما أغمضوا أعينهم احتاجوا إلى رفع مستوى الصوت بمقدار 1.32 ديسيبل إضافي لسماعه، ما يعني أن إغلاق العينين جعل المهمة أصعب.

أما عند مشاهدة صورة ثابتة مرتبطة بالصوت، فقد تحسن الأداء، إذ تمكن المشاركون من اكتشاف الصوت عند مستوى أقل بمقدار 1.6 ديسيبل مقارنة بالأساس. وكان التأثير الأقوى عند مشاهدة فيديو متزامن مع الصوت، حيث استطاع المشاركون سماع الإشارة عند مستوى أقل بمقدار 2.98 ديسيبل، وهو تحسن واضح في الحساسية السمعية.

ويقول هوانغ موضحاً: "على عكس الاعتقاد الشائع، وجدنا أن إغلاق العينين يضعف القدرة على اكتشاف الأصوات، بينما مشاهدة فيديو ديناميكي مرتبط بالصوت تعزز بشكل ملحوظ دقة السمع".

ولفهم السبب، أُجريت التجربة مرة أخرى باستخدام قبعات تخطيط الدماغ الكهربائي (EEG) لقياس نشاط الدماغ. وأظهرت النتائج أن إغلاق العينين يدفع الدماغ إلى حالة من التركيز الداخلي العميق، مما يؤدي إلى ما وصفه الباحثون بـ“الترشيح المفرط”، حيث يقوم الدماغ بتصفية الأصوات بشكل مبالغ فيه، فيقلل من الضوضاء لكنه يضعف أيضاً الإشارة المطلوبة.

بمعنى آخر، الدماغ عند إغلاق العينين لا يميز جيداً بين الصوت المهم والضوضاء، بل يخفف كل شيء، مما يعيق عملية السمع بدلاً من تحسينها. في المقابل، الإبقاء على العينين مفتوحتين، خاصة عند وجود محتوى بصري مرتبط بالصوت، يساعد الدماغ على البقاء متصلاً بالبيئة الخارجية ويعزز التركيز السمعي.

ويشرح هوانغ هذه الفكرة قائلاً إن الدماغ في البيئات الصاخبة يحتاج إلى فصل الإشارة عن الضوضاء بشكل نشط، وأن إغلاق العينين يدفعه إلى "الانغلاق الداخلي" بدلاً من التفاعل مع العالم الخارجي، بينما يساعد الدمج البصري والسمعي على تحسين الأداء.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في العالم الحديث، حيث نادراً ما نعيش في بيئات هادئة. فحركة المرور، والمكاتب المفتوحة، والأجهزة المنزلية تخلق ضجيجاً مستمراً يجعل عملية السمع أكثر تعقيداً. وهنا يظهر أن إغلاق العينين قد يكون أقل فائدة مما كان يعتقد سابقاً.

كما تشير الدراسة إلى مفهوم التكامل الحسي المتعدد، أي كيفية دمج الدماغ للمعلومات من الحواس المختلفة. فعندما يتطابق الصوت مع الصورة، يتحسن الأداء بشكل واضح، ما يدل على أن الدماغ يعتمد على التناغم بين الحواس لفهم البيئة المحيطة بشكل أفضل.

ويخطط الباحثون في المستقبل لاختبار حالات أكثر تعقيداً، مثل ربط أصوات غير متطابقة بصور مختلفة، لفهم ما إذا كان التحسن ناتجاً عن فتح العينين فقط، أم عن الحاجة إلى توافق دقيق بين الحواس.

ويرى الفريق أن هذه النتائج قد تسهم في تطوير فهم أعمق لآليات الإدراك الحسي، وقد تنعكس على تصميم أجهزة السمع الحديثة، وحتى على الطرق التي يستخدمها الناس لتحسين تركيزهم السمعي في الحياة اليومية.