في اكتشاف أثري بالغ الأهمية، عثر باحثون خلال أعمال تنقيب في موقع أسبيرو الأثري في بيرو على بنية حجرية يتجاوز عمرها 4,000 عام، تبيّن لاحقاً أنها كانت مرصداً فلكياً متقدماً استخدمته حضارة كارال، إحدى أقدم حضارات الأمريكتين، في مراقبة الأجرام السماوية وتنظيم الأنشطة الحياتية وفق الدورات الطبيعية.

ووفقاً لمعلومات نشرتها وكالة الأنباء البيروفية "Andina – Peru News Agency" استناداً إلى دراسات أجراها مختصون من المنطقة الأثرية في كارال، فإن البنية المكتشفة تقع ضمن مجمع أسبيرو في منطقة سوبي بويرتو بمحافظة بارانكا، وهي منطقة تمتد على نحو 19 هكتاراً وتضم أكثر من 20 مجمعاً معمارياً، ما يعكس مستوى متقدماً من التنظيم الاجتماعي في تلك الحضارة القديمة.

وبحسب الباحثين، فإن التحليل المعماري للموقع أظهر أن البنية صُممت بعناية فائقة بحيث تسمح بتكوين ظلال محددة خلال فترات النهار، الأمر الذي مكّن السكان القدماء من تتبع حركة الشمس والقمر بدقة، إضافة إلى رصد التغيرات الفلكية الأخرى.

وأكد عالم الآثار ديفيد بالومينو، المشرف على الدراسة، أن هذا الاستخدام لم يكن نظرياً، بل كان مرتبطاً بشكل مباشر بالأنشطة الاقتصادية، خصوصاً الصيد وجمع الموارد البحرية التي شكّلت أساس معيشة المجتمع المحلي.

كما أظهرت النتائج أن الموقع المرتفع للمرصد منح رؤية واسعة للساحل المطل على المحيط الهادئ وكذلك لوادي سوبي، ما ساعد على التنبؤ بالمد والجزر والتغيرات البيئية الموسمية، وهي عوامل كانت حاسمة في تخطيط الأنشطة اليومية.

وتشير المعطيات الأثرية إلى أن الموقع مرّ بأربع مراحل إنشائية متتالية، بدأت كمنطقة ذات طابع طقوسي، قبل أن تتطور إلى منصة بيضاوية بقطر يقارب 3.18 أمتار وارتفاع 63 سنتيمتراً، يتوسطها حجر عمودي يُعرف باسم "هوانكا"، وهو عنصر ذو دلالة دينية في ثقافات الأنديز.

وفي مراحل لاحقة، أُعيد تطوير الموقع ليصبح بنية مزدوجة المستويات، حيث بلغ قطر المستوى السفلي نحو 9.40 أمتار، بينما وصل قطر المستوى العلوي إلى 4.80 أمتار، مع وجود حجر مركزي ومساحة مخصصة لمدفأة طقسية، تشبه المذابح النارية المعروفة في مواقع أخرى تابعة لحضارة كارال التي يعود تاريخها إلى نحو 5,000 عام.

ويرى الباحثون أن هذا التصميم المعماري الفريد، خصوصاً النظام ذي المستويين، قد يكون مرتبطاً بشكل مباشر ببيئة المنطقة الساحلية والحاجة إلى تتبع التغيرات البحرية والمناخية، خاصة خلال الفترة الممتدة بين أبريل ونوفمبر، عندما ينخفض منسوب مياه نهر سوبي.

وتكشف الأدلة الأثرية أيضاً أن أسبيرو لم تكن مجرد مستوطنة صيد بسيطة، بل كانت مركزاً متقدماً للتبادل الثقافي والاقتصادي ضمن شبكة حضارة نورتي تشيكو، حيث عُثر على مؤشرات تفاعل بين سكان المناطق الساحلية وسكان الأمازون والجبال الأنديزية، ما يدل على وجود تبادل مستمر للسلع والمعرفة.

كما دعمت الاكتشافات السابقة في الموقع، ومنها مدافن لأشخاص ذوي مكانة اجتماعية رفيعة مثل "سيدة الأربعة توبيس"، فرضية وجود مجتمع هرمي منظم يتمتع ببنية اجتماعية معقدة.

وفي المرحلة الأخيرة من استخدام الموقع، جرى تغطية المرصد وتحويله إلى وحدات سكنية، وهو ما يشير إلى تغيرات اجتماعية واقتصادية كبيرة أدت إلى فقدان الوظيفة الأصلية للبنية الفلكية.

ويؤكد الباحثون أن هذا الاكتشاف يعزز الفرضية القائلة بأن حضارة كارال كانت تمتلك معرفة فلكية متقدمة، استخدمتها ليس فقط لأغراض علمية، بل كأداة أساسية لضبط الحياة اليومية وضمان الاستمرارية في بيئة طبيعية صعبة ومعقدة.