في وسط المحيط الأطلسي الشمالي، وعلى بعد نحو 590 ميلاً شرق فلوريدا، يوجد بحر سارجاسو وهو منطقة بحرية فريدة لا تشبه أي بحر آخر على الأرض، إنها مساحة شاسعة من المياه تدور بهدوء داخل تيارات محيطية، لكنها لا تلامس أي شاطئ ولا يحدها يابسة، بل تُحاط فقط بتيارات دائرية تشكل حدودها الطبيعية.

بحر سارجاسو، أحد أكثر النظم البحرية غرابة على الكوكب، حيث لا توجد له حدود جغرافية واضحة، ولا حتى تعريف تقليدي للبحار كما نعرفها.

يتشكل هذا البحر داخل ما يُعرف بدوامة شمال الأطلسي، وهي نظام تيارات ضخمة تشمل التيار الشمالي الأطلسي، والتيار الكناري، والتيار الاستوائي الشمالي، وتيار جزر الأنتيل وفق ديلي جالاكسي.

هذه التيارات تدور في حركة دائرية تغطي نحو مليوني ميل مربع، لتخلق مساحة بحرية "مغلقة" لكنها بلا أي سواحل، ولهذا السبب يصفه العلماء بأنه بحر بلا أرض، وبلا حدود حقيقية.

سُمّي بحر سارجاسو نسبة إلى نبات السرجسوم البحري، وهو طحلب بني ذهبي يطفو على سطح المياه في كتل كثيفة، هذا الطحلب لا يثبت في قاع البحر، بل يعيش ويزدهر وهو عائم، ما يسمح له بتكوين نظام بيئي فريد يشبه الغابات العائمة، هذه الغابات توفر ملاذاً مهماً لصغار السلاحف البحرية، والروبيان، وسرطانات البورسلين، إضافة إلى أنواع من الأسماك لا توجد في أي مكان آخر، كما يُعد هذا البحر محطة حيوية في دورة حياة ثعابين البحر الأوروبية، التي تبدأ حياتها كيرقات شفافة قبل أن تهاجر آلاف الكيلومترات إلى الأنهار.

لكن هذا النظام البيئي الفريد يواجه تغيرات سريعة ومقلقة، فوفقاً لبيانات علمية تمتد لأكثر من 40 عاماً، ارتفعت حرارة مياه البحر بنحو درجة مئوية واحدة منذ عام 1983، وزادت حموضته بنسبة تتجاوز 30%، كما انخفض مستوى الأكسجين المذاب فيه، مما يعني أن المياه أصبحت أقل قدرة على دعم الحياة البحرية. هذه التغيرات مرتبطة بزيادة امتصاص المحيط لثاني أكسيد الكربون الناتج عن النشاط البشري، ما يؤدي إلى تغير في كيمياء المياه وجعلها أكثر "تآكلاً" للكائنات التي تبني هياكلها من الكالسيوم مثل الشعاب المرجانية والكائنات الدقيقة.

إلى جانب ذلك، أصبح بحر سارجاسو مصيدة للنفايات البلاستيكية التي تدور داخل التيارات نفسها التي تحافظ على وجوده، حيث تشير بعض التقديرات إلى وجود مئات الآلاف من القطع البلاستيكية في كل كيلومتر مربع من مياهه، كما تؤثر حركة السفن والضوضاء البحرية على الكائنات الحساسة مثل الحيتان والسلاحف.

رغم أهميته البيئية الهائلة، فإن هذا البحر لا يخضع لسيادة دولة واحدة، مما يجعل حمايته تحدياً دولياً معقداً، وتعمل هيئات علمية ودولية على وضع خطط للحفاظ عليه، تشمل تنظيم الملاحة البحرية وتقليل تأثير الصيد الجائر خلال مواسم الهجرة.

يظل بحر سارجاسو نظاماً فريداً في عالم المحيطات، ليس فقط لأنه بلا شواطئ، بل لأنه يمثل مختبراً حياً يراقب من خلاله العلماء تغيرات كوكب الأرض.