لا يوجد على كوكب الأرض بحر تقليدي تحيط به الشواطئ أو اليابسة، ومع ذلك يضم المحيط الأطلسي منطقة مائية فريدة تُعرف ببحر سارجاسو، تبدو كأنها معلّقة في قلب المحيط بلا أي حدود أرضية واضحة. هذه المساحة الشاسعة لا تلامس أي شاطئ، وتحيط بها فقط التيارات المحيطية، ما يجعلها نظاماً بحرياً غامضاً ومستقلاً يلفّه الكثير من التساؤل ويتجاهله كثير من الخرائط.

في شمال المحيط الأطلسي، على بعد نحو 590 ميلاً شرق فلوريدا، تمتد رقعة مائية ضخمة تدور ببطء داخل تيارات محيطية متشابكة. لا شواطئ تحيط بها، بل تيارات فقط ترسم حدودها غير المرئية. وعلى مدى قرون، عبرها البحارة دون إدراك أنهم يبحرون داخل نظام بيئي مستقل، لكن البيانات الحديثة تكشف أنها تتغير بوتيرة أسرع من معظم مناطق المحيط المفتوح.

خلال العقود الأخيرة، أظهرت القياسات المستمرة أن بحر سارجاسو شهد ارتفاعاً في درجة حرارة سطحه بنحو يقارب درجة مئوية واحدة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، إلى جانب زيادة في الحموضة تجاوزت 30% نتيجة امتصاصه المتزايد لثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. وتعتمد هذه النتائج على تحليل طويل الأمد نُشر في مجلة Frontiers in Marine Science من قبل باحثين في معهد برمودا لعلوم المحيطات التابع لجامعة ولاية أريزونا، بالاعتماد على سجلات شهرية تمتد لأكثر من أربعة عقود، ما يجعلها من أطول قواعد البيانات المستمرة لكيمياء المحيط المفتوح في العالم.

هذه التغيرات لا تحدث فجأة، لكنها متراكمة ومستمرة، وتُظهر أن بحر سارجاسو يتأثر بسرعة أكبر من المتوسط العالمي للمحيطات، بسبب حساسية نظامه المغلق نسبياً واعتماده الكبير على التيارات المحيطة وتغير المناخ.

لا تحيط بالبحر أي يابسة، بل تحده أربعة تيارات رئيسية: تيار شمال الأطلسي، وتيار جزر الكناري، وتيار شمال خط الاستواء، وتيار جزر الأنتيل. وتشكل هذه التيارات معاً دوامة شمال الأطلسي التي تدور مع عقارب الساعة وتغطي نحو مليوني ميل مربع.

طحالب السرجس

واكتسب البحر اسمه من طحالب السرجس البنية الذهبية التي تطفو بكثافة على سطحه. أطلق البحارة البرتغاليون هذا الاسم بسبب تشابهها مع نباتات مألوفة لديهم. هذه الطحالب لا تستقر في القاع، بل تعيش عائمة، وتشكل نظاماً بيئياً فريداً يوفر مأوى لصغار السلاحف البحرية، والروبيان، وسرطان البحر، وأنواع من الأسماك لا توجد في أي مكان آخر. وتعمل هذه الكتل النباتية كحاضنة طبيعية تمتد مئات الأميال، حيث تبدأ السلاحف حياتها محمية بين الأغصان، وتنمو الثعابين البحرية قبل هجرتها الطويلة إلى الأنهار.

العزل الجغرافي

هذا العزل الجغرافي جعل بحر سارجاسو موقعاً علمياً بالغ الأهمية. فمنذ عام 1983، يقوم الباحثون برحلات شهرية لقياس أعماقه وجمع عينات من المياه تصل إلى أكثر من 4200 متر، ما وفر سجلاً علمياً مستمراً لأكثر من أربعة عقود.

وتظهر النتائج تغيرات واضحة ومتسارعة. فقد ارتفعت حرارة السطح بمعدل 0.24 درجة مئوية لكل عقد، ليصل الإجمالي إلى 0.97 درجة منذ ثمانينيات القرن الماضي. كما ازدادت الملوحة، وانخفضت مستويات الأكسجين المذاب بنحو 6%، ما يجعل المياه أقل قدرة على دعم الحياة البحرية.

أما كيمياء الكربون فقد شهدت تحولاً أكبر، إذ ارتفع تركيز الكربون المذاب نتيجة امتصاص المحيط لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ما أدى إلى انخفاض الحموضة بنسبة تتجاوز 30%. وهذا التغير يجعل المياه أكثر تآكلاً ويؤثر على الكائنات التي تبني أصدافها وهياكلها من الكالسيوم.

ويؤكد العلماء أن هذه التغيرات جعلت الظروف الحالية خارج النطاق الطبيعي الذي كان سائداً قبل عقود، حيث أصبحت حالات الطقس والمياه المتطرفة هي القاعدة الجديدة.

ورغم كونه نظاماً بيئياً غنياً، يواجه بحر سارجاسو ضغوطاً متزايدة، من بينها تراكم البلاستيك، وازدياد الضوضاء البحرية، وضعف تبادل الأكسجين بسبب ارتفاع درجات الحرارة. كما تتجمع فيه كميات هائلة من النفايات التي تحملها التيارات الدوارة من المحيط.

ومع غياب أي سلطة سيادية مباشرة عليه، تبقى جهود حمايته معقدة، رغم وجود لجنة دولية تعمل على اقتراح حلول لحماية هذا النظام الفريد، وفقا لموقع "dailygalaxy.". وتؤكد البيانات المستمرة أن مراقبة هذا البحر ستظل ضرورية لفهم مستقبل المحيط الأطلسي واستجابته للتغيرات المناخية المتسارعة.