في تطور علمي لافت، يعمل باحثون على اختبار مادة خرسانية جديدة قد تعيد تعريف دور قطاع البناء في مواجهة التغير المناخي. تمتلك هذه الخرسانة قدرة غير معتادة تتمثل في احتجاز ثاني أكسيد الكربون داخل بنيتها بشكل دائم، ما يفتح الباب أمام تغيير جذري في مفهوم مواد البناء التقليدية.
تعتمد الفكرة على استبدال جزء من مكونات الأسمنت التقليدي بمواد معدنية غنية بالمغنيسيوم، قادرة على التفاعل مع ثاني أكسيد الكربون وتحويله إلى مركبات صلبة مستقرة. وبدل أن ينطلق الغاز إلى الغلاف الجوي كما في العمليات التقليدية، يتم حبسه داخل الخرسانة عبر عملية تُعرف بالتمعدن.
في معهد كارلسروه للتكنولوجيا، يراقب الباحثون أداء هذه المادة من خلال اختبارها في عناصر إنشائية حقيقية مثل العوارض والكتل الحاملة، ضمن ظروف قريبة من الاستخدام الواقعي. وتشير النتائج الأولية إلى أن الخرسانة تحافظ على قوتها ومتانتها، حتى مع وجود الكربون المرتبط كيميائيًا داخل بنيتها.
لكن رغم هذه النتائج الواعدة، لا يزال الطريق في مراحله الأولى، إذ يتمثل التحدي الأساسي في تحقيق التوازن بين تقليل الانبعاثات والحفاظ على الأداء طويل الأمد، خصوصًا فيما يتعلق بمقاومة العوامل الجوية وحماية الهياكل المعدنية داخل الخرسانة.
يساهم مشروع C-SINC في تسريع تطوير هذه المواد باستخدام تقنيات حديثة مثل التعلم الآلي، بهدف تقليل الوقت اللازم لاختبار الخلطات المختلفة والوصول إلى تركيبة مثالية.
هذه النتائج تعيد صياغة مفهوم الخرسانة من مادة ملوِّثة إلى مادة قادرة على تخزين الكربون داخل البيئة المبنية بشكل دائم.
تُجرى الاختبارات حاليًا على الكتل والعوارض الحاملة في مدينة كارلسروه بجنوب غرب ألمانيا، حيث يتم تقييم قدرة المادة على تخزين الكربون ضمن ظروف إنشائية واقعية.
من خلال هذه التجارب، يراقب البروفيسور فرانك دين في معهد كارلسروه للتكنولوجيا أداء المادة الرابطة الجديدة، مع التركيز على قدرتها على احتجاز الكربون مع الحفاظ على تحمل الأحمال ومقاومة الإجهاد.
وتُظهر النتائج أن الكربون المرتبط بالمعادن يبقى مستقرًا داخل الخرسانة أثناء التصلب وتحت الأحمال المتزايدة، ما يشير إلى إمكانية تطبيقها هندسيًا، رغم استمرار التساؤلات حول نسبة استبدال الأسمنت التقليدي دون التأثير على الأداء طويل المدى.
ينتج معظم الأثر المناخي للخرسانة من مادة الكلنكر، وهي المكوّن الأساسي للأسمنت الذي يُصنّع عبر تسخينه بدرجات حرارة عالية لربط الرمل والحصى. وتساهم هذه العملية، إلى جانب تحلل الحجر الجيري داخل الأفران، في انبعاث كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، ما يجعل الكلنكر مسؤولًا عن نسبة كبيرة من الانبعاثات العالمية.
لذلك، فإن أي مادة رابطة تقلل الاعتماد على الكلنكر دون التأثير على قوة الخرسانة تمثل خطوة مهمة نحو خفض التلوث في هذه الصناعة.
على مدى سنوات، استخدم قطاع البناء مواد إسمنتية مضافة مثل الرماد المتطاير وخبث أفران الصهر لتقليل الانبعاثات. لكن تراجع مصادر هذه المواد بسبب إغلاق محطات الفحم وتغير صناعة الصلب جعل البدائل التقليدية أقل توفرًا، ما دفع الباحثين للبحث عن حلول جديدة، وفقا لموقع "earth".
في هذا السياق، يعتمد مشروع C-SINC الأوروبي على سيليكات المغنيسيوم، وهي معادن غنية تتفاعل مع ثاني أكسيد الكربون لتكوين كربونات المغنيسيوم المستقرة عبر عملية التمعدن السريع. ويمكن أيضًا استخدام انبعاثات صناعية كمصدر للكربون، ما يجعل الخرسانة أقل تلويثًا وأكثر قدرة على تخزين الكربون داخلها.
بمجرد تحول ثاني أكسيد الكربون إلى مركبات كربونات، يصبح محبوسًا كيميائيًا بشكل دائم يصعب تسربه. وكما أوضح البروفيسور فرانك دين، فإن الكربون لا يُخزَّن فقط، بل يرتبط كيميائيًا بالمادة ويبقى مستقرًا لفترات طويلة جدًا.
تعتمد الفرق البحثية على تقنيات التعلم الآلي والمحاكاة الحاسوبية لتحديد أفضل التركيبات بسرعة، قبل الانتقال إلى الاختبارات العملية، رغم استمرار الحاجة للتجارب الفيزيائية لضمان قدرة الخرسانة على تحمل الأحمال ومقاومة التشققات والعوامل البيئية.
يحظى المشروع بدعم أوروبي يجمع بين مراكز بحثية وشركات تصنيع، بهدف نقل هذه المواد من المختبر إلى الاستخدام الفعلي في قطاع البناء، مع ضمان توافقها مع معايير التكلفة والإنتاج الواسع.
ومع استمرار التطوير، قد تتحول الخرسانة في المستقبل من مصدر رئيسي للانبعاثات إلى مادة تسهم في تخزين الكربون داخل المباني نفسها، ما يفتح فصلًا جديدًا في عالم البناء المستدام.
