في واحدة من أكثر المهام جرأة وإثارة في تاريخ وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، نفّذ رائدا الفضاء ديل أ. غاردنر وجوزيف ب. آلن عام 1984 عملية سير فضائي خارج مركبة الفضاء "تشالنجر" دون أي حبل أمان، بهدف استعادة قمرين صناعيين خرجا عن مدارهما نتيجة خلل صاروخي، في مهمة وُصفت بأنها تجمع بين الدقة الهندسية والمخاطرة القصوى.

وتعود تفاصيل الواقعة إلى رحلتين فضائيتين جريئتين تم تنفيذهما في فبراير 1984، عندما اضطرت ناسا إلى التدخل اليدوي بعد فشل صاروخ في وضع القمرين الصناعيين "Westar 6" و"Palapa B2" في مداراتهما الصحيحة، ما هدد بفقدانهما بالكامل في الفضاء.

أول تحليق بشري حر في تاريخ الفضاء

في 7 فبراير 1984، سجّل رائد الفضاء بروس ماكاندلس الثاني اسمه في التاريخ كأول إنسان يقوم بسير فضائي دون أي ارتباط بالمركبة الفضائية، مستخدما وحدة المناورة المأهولة (MMU)، في تجربة فتحت الباب أمام استخدام هذه التقنية في مهام أكثر تعقيدًا.

لاحقا، تم توظيف التقنية نفسها في مهمة إنقاذ الأقمار الصناعية، حيث ارتدى غاردنر وآلن وحدات MMU وخرجا من حجرة الشحن لمركبة "تشالنجر" أثناء تحليقها بسرعة تقارب 28,900 كيلومتر في الساعة (18,000 ميل في الساعة).

فيديو

عملية استعادة معقدة في بيئة عديمة الأمان

وفقا لوثائق ناسا، اقترب مكوك الفضاء "ديسكفري" من القمر الصناعي "Palapa" إلى مسافة تقارب 35 قدما فقط، قبل أن يبدأ آلن وغاردنر عملية الاقتراب المباشر. استخدم آلن وحدة المناورة المثبتة داخل حجرة الشحن، ثم اتجه نحو القمر الصناعي وقام بإيقاف دورانه باستخدام نظام التحكم الخاص بالوحدة.

وفي خطوة دقيقة، قامت رائدة الفضاء آنّا فيشر بتشغيل الذراع الروبوتية (RMS) لالتقاط القمر عبر نقطة تثبيت خاصة، قبل نقله إلى حجرة الشحن.

لكن العملية لم تخلُ من التعقيدات، حيث واجه غاردنر مشكلة غير متوقعة في تركيب أحد المكونات الخاصة بالتثبيت، ما اضطر الفريق إلى استخدام خطة بديلة لضمان نجاح العملية.

إنجاز تاريخي خلال ساعات معدودة

تمكنت الفرق الفضائية من إتمام استعادة القمر الصناعي الأول خلال نحو 6 ساعات من العمل المتواصل، بينما استغرقت عملية استعادة القمر الثاني بقيادة غاردنر نحو 5 ساعات و42 دقيقة فقط، قبل أن يُعاد القمران بنجاح إلى الأرض.

وتُعد هذه المهمة من أبرز العمليات الفضائية في تاريخ ناسا، ليس فقط بسبب تعقيدها التقني، بل لأنها صُوّرت في لقطات وُصفت بأنها من الأكثر إثارة و "رعبا بصريا" في تاريخ استكشاف الفضاء، حيث يظهر رواد الفضاء وهم يطفون في الفراغ الكوني دون أي حبل أمان، معتمدين فقط على أنظمة الدفع الشخصية.

وبهذا الإنجاز، رسخت ناسا واحدة من أكثر صفحاتها جرأة في سباق استكشاف الفضاء خلال ثمانينات القرن الماضي، حيث اجتمع الابتكار الهندسي مع المخاطرة البشرية في مهمة لا تزال تُستعاد في أرشيفات الفضاء حتى اليوم.