كشفت دراسة علمية حديثة أن البقاء لفترات طويلة في القارة القطبية الجنوبية قد يؤدي إلى تغيّرات قابلة للقياس في الدماغ البشري، تشمل تقلصا في إحدى المناطق المرتبطة بالذاكرة وتراجعا في القدرات المعرفية، خصوصا الانتباه والتوجيه المكاني.

الدراسة، التي أُجريت على فريق بحثي قضى 14 شهرا في محطة "نيوماير III" الألمانية بأنتاركتيكا، ونُشرت نتائجها في مجلة The New England Journal of Medicine، أظهرت أن الظروف القاسية، بما في ذلك البرودة الشديدة التي قد تصل إلى 50 درجة تحت الصفر، والظلام شبه التام خلال فصل الشتاء، والعزلة شبه الكاملة، ترتبط بتغيرات بيولوجية في الدماغ وأداء الذاكرة والانتباه.

وشارك في الدراسة 13 باحثا (9 رجال و4 نساء)، حيث خضعوا لسلسلة من الفحوصات قبل وأثناء وبعد المهمة، شملت تصويرا بالرنين المغناطيسي، وتحاليل دم، واختبارات معرفية متكررة، كما خضعت مجموعة مقارنة من 9 أشخاص خارج البعثة لنفس الفحوصات.

وأظهرت نتائج التصوير العصبي انخفاضا في حجم "التلفيف المسنن" (Dentate Gyrus)، وهو جزء دقيق من الحُصين في الدماغ مسؤول عن تكوين الذاكرة قصيرة وطويلة المدى، بالإضافة إلى دعم التوجيه المكاني، وبيّنت البيانات أن هذا التغير كان أوضح لدى أفراد البعثة مقارنة بالمجموعة الضابطة.

كما رصد الباحثون انخفاضا في مستويات بروتين BDNF، وهو بروتين أساسي يلعب دورا مهما في نمو الخلايا العصبية وتعزيز مرونة الدماغ، وقد بدأ هذا الانخفاض بالظهور بعد ثلاثة أشهر فقط من بدء المهمة، واستمر حتى بعد شهر ونصف من عودة المشاركين إلى بيئتهم الطبيعية.

وعلى الصعيد المعرفي، أظهرت الاختبارات تراجعا في الأداء المرتبط بالقدرات المكانية، مثل القدرة على تحديد الاتجاهات والتنقل، إضافة إلى ضعف في الانتباه الانتقائي، أي القدرة على التركيز على المعلومات المهمة وتجاهل المشتتات.

ولاحظ الباحثون أن التحسن الطبيعي في أداء هذه الاختبارات، والذي يظهر عادة مع التكرار، كان أقل وضوحا لدى أفراد البعثة الذين سجلوا تغيرات في بنية الحُصين.

وأكد فريق البحث أن هذه النتائج لا تعتمد على قياس واحد فقط، بل على تكامل بين التصوير الدماغي والتحاليل البيولوجية والاختبارات السلوكية، ما يعزز قوة الاستنتاجات المتعلقة بتأثير البيئة القاسية على الدماغ.

ومع ذلك، شدد الباحثون على أن حجم العينة صغير نسبيا، ما يستدعي الحذر في تعميم النتائج، رغم صعوبة إجراء دراسات طويلة المدى في بيئات معزولة مثل القارة القطبية الجنوبية.

وأشار الفريق إلى أن هذه البيئة تمثل نموذجا فريدا لدراسة التكيف البشري، نظرا لعواملها القاسية مثل العزلة الطويلة، قلة التحفيز البصري، وانعدام التغير في المشهد الطبيعي لفترات ممتدة.

كما أوضح الباحثون أنهم يخططون لدراسة ما إذا كان النشاط البدني أو تدخلات نمط الحياة يمكن أن تقلل من هذه التأثيرات العصبية خلال المهمات المستقبلية.

وتفتح هذه النتائج الباب أمام فهم أعمق لتأثير البيئات القاسية والمغلقة على الدماغ البشري، خاصة في سياق المهمات الفضائية الطويلة أو العمل في البيئات النائية، حيث تتشابه ظروف العزلة والحرمان الحسي لفترات ممتدة.