في عالم يُنظر فيه إلى اليانصيب باعتباره لعبة حظ خالص، ظهر اسم الاقتصادي الروماني-الأسترالي ستيفان ماندل كحالة استثنائية قلبت هذه الفكرة رأساً على عقب. خلال التسعينيات، نجح ماندل مع فريق صغير في تحقيق سلسلة انتصارات في يانصيب عدة دول، ليس بالاعتماد على الحظ، بل عبر استراتيجية رياضية ولوجستية معقدة أعادت تعريف مفهوم اللعبة.

فكرة ماندل كانت بسيطة من الناحية النظرية، لكنها شبه مستحيلة عملياً،وهي إذا كان عدد التوليفات الممكنة في يانصيب معين محدوداً، وكانت تكلفة شراء هذه التذاكر أقل من قيمة الجائزة الكبرى، فإن شراء جميع الاحتمالات تقريباً يضمن الفوز بشكل شبه مؤكد. لكن تحويل هذه الفكرة إلى واقع كان يتطلب موارد هائلة وتنظيماً دقيقاً.

7 ملايين احتمال

استهدف ماندل أحد أشهر نجاحاته في يانصيب ولاية فيرجينيا الأمريكية، الذي كان يعتمد على أرقام محدودة نسبياً، حيث بلغ عدد الاحتمالات نحو 7 ملايين تركيبة. ومع ارتفاع الجائزة الكبرى إلى حوالي 15.5 مليون دولار، رأى ماندل أن الفرصة أصبحت مناسبة لتنفيذ خطته.

بدأ التنفيذ عبر إنشاء نظام حسابي لتوليد جميع التوليفات الممكنة، ثم طباعة ملايين التذاكر بطريقة منظمة، وتوزيع عملية الشراء على شبكة واسعة من المشاركين داخل نقاط بيع متعددة لتغطية أكبر عدد ممكن من الاحتمالات دون إثارة الانتباه المباشر.

بعد أيام من العمل المكثف، تمكن فريقه من شراء نحو 6.4 ملايين تذكرة من أصل 7 ملايين احتمال، ما جعل احتمال الفوز شبه محسوم رياضياً. وبالفعل، خرجت التذكرة الرابحة من ضمن المجموعة التي اشتروها، ليحققوا الجائزة الكبرى.

لم تكن هذه العملية الوحيدة، إذ سبق لماندل أن استخدم استراتيجيته في رومانيا قبل انتقاله إلى أستراليا، حيث طوّر أسلوبه ليعتمد على تقليل عدد الاحتمالات عبر الحسابات، مع جذب مستثمرين لتمويل شراء كميات ضخمة من التذاكر في كل مرة تتوفر فيها فرصة مناسبة.

لكن مع تزايد نجاحه، بدأت السلطات في أستراليا إدراك خطورة هذه الاستراتيجية على نظام اليانصيب، فتم تعديل القوانين لمنع شراء جميع التذاكر أو السيطرة المنظمة على النتائج، رغم أن ما قام به لم يكن غير قانوني في البداية.

لاحقاً، حاول ماندل تكرار النموذج في أسواق أكبر، خصوصاً الولايات المتحدة، حيث استطاع تحقيق واحدة من أشهر عملياته في يانصيب فيرجينيا عام 1992، حين بلغت الجائزة الكبرى نحو 27 مليون دولار. وبعد نجاح العملية، بدأت التحقيقات الرسمية، لكنها لم تثبت أي خرق للقانون.

ومع مرور الوقت، تراجعت قدرة ماندل على تكرار استراتيجيته بسبب القيود القانونية وتعقيد الأنظمة، لينسحب تدريجياً من هذا المجال. وفي النهاية، انتهت تجربته المثيرة بإعلان إفلاسه عام 1995، لكنه ترك خلفه واحدة من أكثر القصص غرابة في تاريخ اليانصيب، حيث تحولت “اللعبة العشوائية” إلى معادلة رياضية قابلة للحساب.