كشفت دراسة علمية حديثة أن قضاء الوقت مع أشخاص يتسمون بالسلوك المرهق أو السلبي قد يؤدي إلى تسارع الشيخوخة البيولوجية وزيادة المخاطر الصحية، ما يسلّط الضوء على أهمية إعادة تقييم الدوائر الاجتماعية وتأثيرها على الصحة العامة.
وأجرى الدراسة فريق من الباحثين في الولايات المتحدة، حيث عرّفوا ما يُعرف بـ"الأشخاص المرهقين" بأنهم أولئك الذين تتسم العلاقات معهم بالعداء أو التوتر أو العبء النفسي الزائد، بما يجعل التفاعل معهم مصدر ضغط مستمر في الحياة اليومية.
وانطلقت الدراسة من فرضية أن وجود مثل هذه العلاقات ضمن الدائرة الاجتماعية القريبة قد يكون له تأثير سلبي مباشر على الصحة الجسدية والنفسية.
واعتمد الباحثون على بيانات شملت أكثر من 2000 مشارك تراوحت أعمارهم بين 18 و103 أعوام، حيث طُلب منهم تقديم معلومات تفصيلية عن حياتهم الاجتماعية وتجاربهم مع هذه الفئة من الأشخاص.
وبلغ متوسط حجم الشبكة الاجتماعية للمشاركين نحو خمسة أفراد، مع تسجيل حالات وصلت إلى 25 شخصا.
وأظهرت النتائج أن نحو 29% من المشاركين لديهم شخص واحد على الأقل من هذه الفئة في حياتهم، فيما أفاد حوالي 10% بوجود شخصين أو أكثر.
ولقياس الفارق بين العمر الزمني والعمر البيولوجي، استخدم الفريق أداتين علميتين هما GrimAge2 وDunedinPACE، والتي تعتمد على تحليل "مثيلة الحمض النووي" كمؤشر على الشيخوخة.
وتُعد هذه العملية من التغيرات فوق الجينية التي تؤثر على كيفية قراءة الشفرة الوراثية دون تغيير تسلسلها الأساسي.
وبحسب النتائج، تبيّن أن الأفراد الذين لديهم عدد أكبر من العلاقات السلبية يظهرون تسارعا ملحوظا في الشيخوخة البيولوجية.
وأشارت البيانات إلى أن كل شخص "مرهق" إضافي في حياة الفرد يرتبط بزيادة قدرها 1.5% في وتيرة الشيخوخة، وهو ما يعادل نحو 1.8 شهر إضافي من التقدم في العمر البيولوجي خلال فترة 10 سنوات.
كما أظهرت الدراسة أنه عند مقارنة أشخاص من نفس العمر الزمني، فإن وجود كل شخص إضافي من هذه الفئة يرتبط بزيادة تصل إلى تسعة أشهر في العمر البيولوجي.
ولم تقتصر التأثيرات على الشيخوخة فقط، بل أبلغ المشاركون الذين لديهم علاقات سلبية أكثر عن مستويات أسوأ في مؤشرات الصحة العامة، بما في ذلك الجوانب النفسية والجسدية.
ورغم أن الدراسة لم تثبت علاقة سببية مباشرة، فإن الباحثين أكدوا وجود ارتباط واضح بين هذه العلاقات ومعدلات الشيخوخة.
وأوضحوا أن التعرض المستمر للضغوط الناتجة عن هذه العلاقات قد يؤدي إلى تنشيط دائم لأنظمة التوتر في الجسم، ما يسبب التهابات مزمنة واضطرابات في التنظيم الجيني وإجهادا أيضيا.
وتأتي هذه النتائج في وقت ركّزت فيه دراسات سابقة على مخاطر الوحدة والعزلة، إلا أن الدراسة الجديدة تشير إلى أن زيادة عدد العلاقات الاجتماعية لا يعني بالضرورة تحسن الصحة، خاصة إذا كانت هذه العلاقات تحمل طابعا سلبيا.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة (PNAS)، مؤكدة أهمية جودة العلاقات الاجتماعية وليس عددها في الحفاظ على الصحة وإبطاء الشيخوخة.
