أباح ذهب مدينة فارنا البلغارية عن جانب مهم من الحياة الاجتماعية في أوروبا قبل 6500 عام.

ففي عام 1972، اكتشف عامل حفريات بالقرب من فارنا في بلغاريا قطعة ذهبية صغيرة في التراب، وهو ما ساعد على اكتشاف مقبرة فارنا الكهرواليتية، وهي واحدة من أهم مواقع الدفن ما قبل التاريخ في أوروبا، والتي تعود إلى منتصف الألفية الخامسة قبل الميلاد، أي حوالي 6,500 عام وتحتوى على بعض من أقدم القطع الذهبية المصنوعة في التاريخ.

كشف الموقع عن نمط غير متساوٍ في توزيع الثروة، فمعظم القبور كانت بسيطة جداً، تحتوي على خرز أو سكاكين صوانية، بينما كانت بعض القبور الأخرى مليئة بالذهب والأدوات الرمزية التي تدل على مكانة اجتماعية عالية.

كان من أبرز القبور رقم 43، حيث دُفن رجل مع أساور، وعقود، وأقراص ذهبية، وفأس مصقول بمقبض ذهبي، وشفرة صوانية بطول 16 بوصة، بإجمالي أكثر من 1.5 كيلوجرام من الذهب.

تُظهر المقبرة أن الثروة والسلطة كانت مركزة بوضوح بين عدد قليل من الأفراد، ما يشير إلى أن المجتمعات في تلك الفترة لم تكن متساوية كما كان يُعتقد سابقاً.

بعض القبور كانت رمزية بلا رفات بشرية، مثل القبر رقم 36، الذي احتوى على صولجانات ذهبية وتماثيل صغيرة، مما يدل على أن السلطة يمكن أن تُرمز إليها حتى بدون الجسد.

الثروات في فارنا لم تكن محلية فقط؛ فقد شملت مجوهرات صدفية من البحر المتوسط وشفرات من الزجاج البركاني من مناطق بعيدة، ما يشير إلى وجود شبكات تجارة طويلة المدى وسيطرة على الموارد، بالإضافة إلى تنظيم العمل والمعرفة الفنية لصنع هذه القطع الذهبية.

رغم أن المقبرة اكتشفت منذ عقود، إلا أن نحو ثلث الموقع لم يتم حفره بعد، حيث توقفت الأعمال في 1991 لإتاحة الفرصة للباحثين المستقبليين.

المجتمع الذي خلف هذه المقبرة اختفى حوالي 4000 قبل الميلاد، ربما بسبب التغيرات البيئية وارتفاع مستوى المياه، وليس نتيجة حروب أو مجازر.

يُعد اكتشاف فارنا أول دليل واضح على وجود تفاوت اجتماعي وتنظيم للسلطة في أوروبا ما قبل التاريخ، فهو لا يقدم فقط أقدم الذهب المعالج الذي عُثر عليه، بل يظهر كيف تمركزت الثروة والسلطة قبل ظهور الممالك المعروفة في العصور القديمة، ويعطي علماء الآثار فهمًا أعمق حول كيفية ظهور المجتمعات المعقدة في أوروبا.

الموقع والمعروضات الذهبية ما زالت تُعرض في متحف فارنا الإقليمي للتاريخ، حيث يمكن رؤية إعادة بناء القبر رقم 43 ومشاهدة الذهب والقطع الرمزية كما وُجدت.