عاد معدن أزرق غامض إلى الواجهة من جديد بعد مرور أكثر من 30 عاماً على تحليله لأول مرة، عندما أعاده العلماء إلى العرض داخل متحف التاريخ الطبيعي في لندن، في قصة علمية بدأت من كشك صغير في المغرب وانتهت إلى لغز معدني حيّر الخبراء.
في عام 1980 عندما اشترت الجيولوجية آنا غرايسون قطعة حجرية زرقاء من بائع في كشك قرب مدينة فاس المغربية، كان البائع يؤكد أن الحجر هو "لازورد"، وهو معدن معروف بلونه الأزرق، لكن غرايسون لم تقتنع تماماً، فقد لاحظت أن لون الحجر يتغير بحسب زاوية النظر، ما جعلها تظن أنه معدن مختلف تماماً وفق iflscience.
بعد سنوات، قررت عرض العينة في يوم مفتوح داخل متحف التاريخ الطبيعي في لندن، حيث يُسمح للزوار بإحضار عينات لتحديد هويتها، هناك لفت الحجر الأزرق انتباه فريق من علماء المعادن، خاصة أنه لم يشبه أي معدن مألوف لديهم، تولى الفريق بقيادة العالم الراحل غوردون كريسي دراسة العينة، وبدأت رحلة تحليل علمي استمرت أكثر من عام كامل.
ولأن الحجر لم يكن يشبه المعادن المعروفة، استخدم العلماء تقنيات متقدمة للغاية، من بينها الأشعة السينية السنكروترونية، وهي تقنية تسمح بدراسة التركيب الذري للمواد بدقة شديدة.
مع استمرار التحليل، توصل العلماء إلى مفاجأة: الحجر ليس معدناً جديداً، لكنه معدن نادر جداً اسمه "الأيرينيت".
تم التعرف على الأيرينيت لأول مرة عام 1876، واشتُق اسمه من كلمة يونانية تعني "السماء الزرقاء"، في إشارة إلى لونه المميز. إلا أن هذا المعدن يتمتع بخصائص فريدة جعلته يبدو وكأنه مادة غير معروفة. فالقطعة التي اشترتها غرايسون تتكون من ملايين الألياف البلورية الدقيقة للغاية، أصغر من جزء من عشرة آلاف من المليمتر.
داخل هذه الألياف تمتد سلاسل من أيونات الحديد Fe²⁺ وFe³⁺، وهو ما يسمح بانتقال الإلكترونات بين الذرات. هذه الظاهرة هي السبب في أن الحجر يمتص الضوء بطريقة مختلفة، فيبدو أحياناً عديم اللون، وأحياناً أخرى أزرق لامعاً، وذلك بحسب زاوية الرؤية. هذه الخاصية جعلت العلماء في البداية يعتقدون أنهم أمام معدن جديد بالكامل.
بعد مرور أكثر من 30 عاماً على التحليل الأول، عاد الحجر نفسه ليصبح مهماً مرة أخرى. فقد استخدمه فريق علمي جديد في دراسة حديثة لفهم التركيب الذري الفريد للأيرينيت بشكل أدق، كما ساعدت هذه العينة تحديد هوية عينات معدنية أخرى غامضة داخل المتحف، بل وساهمت في تطوير طرق تحليل جديدة يستخدمها العلماء اليوم.
ويؤكد الباحثون أن هذه القصة تُظهر كيف يمكن لعينة صغيرة تم شراؤها من كشك بسيط أن تتحول إلى اكتشاف علمي مهم. فالعلم لا يعتمد فقط على المختبرات المتقدمة، بل أحياناً يبدأ من ملاحظة صغيرة، مثل حجر يغيّر لونه بطريقة غير معتادة.
واليوم يمكن للزوار رؤية هذه العينة النادرة داخل معرض المعادن في متحف التاريخ الطبيعي في لندن، حيث أصبحت رمزاً لواحدة من أغرب القصص العلمية التي بدأت من الصحراء المغربية وانتهت داخل أحد أهم المتاحف العلمية في العالم .
