شهد العالم خلال العقود الأخيرة سلسلة من التقارير الغريبة عن ظاهرة صوتية غامضة، أطلق عليها الباحثون اسم "الضوضاء العالمية"، هذا الصوت يشبه دوي محرك ديزل منخفض يعمل على سرعة الخمول، لكنه لا يُسمع إلا لنسبة ضئيلة من السكان تتراوح بين 2 إلى 4٪، ويثير جدلا واسعا بين العلماء حول مصدره وطبيعته.

أولى التقارير الموثقة عن هذه الظاهرة ظهرت في المملكة المتحدة خلال النصف الثاني من السبعينات، ومنذ ذلك الحين أصبح "الضجيج العالمي" موضوع دراسة من قبل خبراء الصوت والأطباء والباحثين الهواة، إلا أن الإجابة القطعية عن مصدره لا تزال مجهولة.

ويصف من يعانون من هذا الصوت تجربة مزعجة لا تُحتمل أحيانا، إذ يسمعون ضجيجا منخفض التردد يشتد في الأماكن المغلقة، خاصة في ساعات الليل، عندما تخفت أصوات البيئة المحيطة.

وأكدت تقارير صحفية بريطانية وقوع حالات مأساوية دفعت بعض الأشخاص إلى التخلص من حياتهم بسبب هذا الصوت الذي يعيق النوم ويثير التوتر والقلق المزمن.

تفسيرات الباحثين حول مصدر الظاهرة كانت متنوعة، شملت البحث في البيئة الصناعية، حيث ارتبطت بعض الحالات بمراوح ضخمة في مستودعات بريستول البريطانية، أو باهتزازات مستمرة تصدر عن مصانع مدينة كووكومو الأمريكية، لكن هذه التفسيرات لم تفسر حالات أخرى من جميع أنحاء العالم، خصوصا في أماكن منعزلة تماما عن أي نشاط صناعي.

انتقل العلماء بعد ذلك إلى البحث في ظواهر الطبيعة، فتم اقتراح أن تكون ضربات الصواعق البعيدة أو اصطدام أمواج المحيطات بقاع البحار هي سبب الصوت، ما يولد موجات تحت صوتية واهتزازات دقيقة، ومع ذلك، لم تشرح هذه النظريات سبب سماع الصوت من قبل نسبة ضئيلة جدا من السكان، بينما يعيش الآخرون في صمت تام في نفس المكان.

توجهت الأبحاث لاحقا إلى دراسة الأبعاد العصبية للظاهرة، حيث اقترح الباحث البريطاني الدكتور ديفيد باجولي أن الضوضاء قد لا تكون صوتا خارجيا، بل إدراكا داخليا.

وفق هذه النظرية، تصبح حاسة السمع عند بعض الأشخاص شديدة الحساسية، فيسجل الدماغ إشارات ضعيفة كان سيتجاهلها عادةً، مما ينتج عنه شعور بضجيج عميق يشبه الدوي الميكانيكي، وليس صفيرا أو رنينا كما في الطنين الشائع للأذن.

في محاولة لجمع بيانات دقيقة، أطلق الدكتور غلين ماكفيرسون في عام 2012 مشروعا دوليا لتوثيق الحالات، يضم قاعدة بيانات وخريطة عالمية للتقارير، بهدف فصل الظواهر المحلية عن الظاهرة الحقيقية.

وخلص إلى أن التفسير الأرجح هو الإدراك الداخلي للضوضاء، لكن المشروع واجه تحديات كبيرة من موجة المعلومات المضللة والنظريات الخيالية، بما في ذلك فرضيات عن أنفاق سرية، أو أنظمة عسكرية، أو حتى أصوات تصدرها الأسماك.

تظل الضوضاء العالمية لغزا معقدا يجمع بين الطب، فيزياء الموجات، وعلم النفس، ويجعل ملايين البشر يعيشون كل مساء على وقع صوت وهمي لا يعرفه سواهم، وحتى يتوصل العلماء إلى طريقة تشخيص دقيقة، سيبقى الصوت الغامض كابوسا صامتا يحاصر جزءا صغيرا من سكان الأرض، مؤكّدا مدى تعقيد حواس الإنسان وعجزنا عن فهم كل أسرار البيئة المحيطة بنا.