في اكتشاف غريب يجمع بين الصدفة والتاريخ العسكري، عُثر عام 1982 على بقايا حمامة زاجلة نافقة داخل مدخنة منزل بريطاني، كانت تحمل معها رسالة مشفّرة تعود إلى الحرب العالمية الثانية، لغز استخباراتي لم يتمكن الخبراء من حله حتى الآن.
اكتشاف غير متوقع داخل مدخنة منزل
أثناء قيامه بأعمال تجديد في منزله بمدينة بليتشينجلي بمقاطعة ساري البريطانية، فوجئ ديفيد مارتن بهيكل عظمي لحمامة عالق داخل المدخنة. لكن المفاجأة الأكبر كانت وجود كبسولة حمراء مربوطة بساق الطائر، تحتوي على رسالة سرية مكتوبة برموز معقدة، يُعتقد أنها أُرسلت خلال سنوات الحرب العالمية الثانية.
الحمام الزاجل سلاح صامت في زمن الحرب
خلال الحرب، اعتمدت بريطانيا بشكل كبير على الحمام الزاجل لنقل الرسائل الحساسة عندما كانت أجهزة الاتصال اللاسلكية غير آمنة أو معرضة للاعتراض. وقد تأسست خدمة الحمام الوطنية (NPS) التي وفّرت أكثر من 250 ألف طائر لأغراض عسكرية واستخباراتية.
ولم يكن دور الحمام رمزياً فقط؛ إذ مُنح 32 حماماً وسام ديكين، وهو أعلى تكريم عسكري للحيوانات، تقديراً لشجاعتها ومساهمتها في إنقاذ الأرواح ونقل المعلومات.
ومن أشهر هذه القصص قصة الحمامة "وينكي"، التي ساهمت عام 1942 في إنقاذ طاقم طائرة بريطانية سقطت في البحر، بعدما عاد الطائر مغطى بالزيت إلى موطنه، مما مكّن القوات من تحديد موقع الطائرة وإنقاذ الناجين.
رسالة مشفرة بلغة الحرب
وجاء نص الرسالة كما يلي : "AOAKN HVPKD FNFJU YIDDCRQXSR DJHFP GOVFN MIAPXPABUZ WYYNP CMPNW HJRZHNLXKG MEMKK ONOIB AKEEQUAOTA RBQRH DJOFM TPZEHLKXGH RGGHT JRZCQ FNKTQKLDTS GQIRU AOAKN 27 1525/6"
الرسالة التي عُثر عليها مع الحمامة الميتة كانت عبارة عن سلسلة طويلة من مجموعات الحروف المشفّرة، يُرجح أنها كُتبت باستخدام أساليب تشفير عسكرية معقدة. خلال الحرب، كانت الرسائل تُكتب أحياناً عبر دفاتر رموز خاصة، بحيث تمثل كل مجموعة من الأحرف معلومات عملياتية حساسة، مع إمكانية إضافة طبقات تشفير إضافية لزيادة الأمان.
أدلة محدودة وهوية غامضة
تشير الحلقة المعدنية على ساق الحمامة إلى أنها وُلدت عام 1940 وتنتمي لقوات الحلفاء، بينما توحي بعض الرموز باسم محتمل لمرسل الرسالة، وهو رقيب يُدعى ويليام ستوت. ويرجّح الخبراء أن الطائر ربما كان عائداً من أوروبا المحتلة عندما توقف للراحة على المدخنة قبل أن يموت هناك، تاركاً رسالته حبيسة لعقود، وفقا لموقع "iflscience".
محاولات فك الشفرة ورفض رسمي
ادعى بعض الهواة أنهم نجحوا في فك الشفرة، أبرزهم خبير كندي قال إنه كشف مضمونها خلال دقائق، زاعماً أنها تقارير عسكرية عن مواقع ألمانية في نورماندي. لكن خبراء بريطانيين، بمن فيهم مختصون من مركز الاتصالات الحكومية (GCHQ)، رفضوا هذه الادعاءات ووصفوها بأنها غير علمية.
ويرى خبراء التشفير أن الرسالة ربما استُخدم فيها "مفتاح تشفير لمرة واحدة”، وهو نظام آمن للغاية يجعل فك الرسالة مستحيلاً تقريباً دون امتلاك المفتاح الأصلي.
لغز لم يُحل بعد
حتى اليوم، وبعد مرور أكثر من أربعة عقود على اكتشاف الحمامة، لا تزال الرسالة لغزاً مفتوحاً. فقد فحص خبراء الاستخبارات البريطانية مئات المحاولات لفك الشفرة دون الوصول إلى نتيجة موثوقة، مؤكدين أن غياب دفاتر الشفرات الأصلية يجعل كشف مضمونها أمراً شبه مستحيل.
