لسنوات طويلة، بدا أن الطريق إلى المستقبل يمر من باب واحد: البرمجة، الهندسة، علوم البيانات، والرياضيات. أما الأدب، الفلسفة، التاريخ، واللغات، فكانت تُعامل كترف ثقافي جميل، لكنه غير عملي في سوق يحكمه الكود. ثم جاء الذكاء الاصطناعي، وقلب المعادلة بطريقة غير متوقعة: كلما أصبحت الآلة أذكى في الحساب والكتابة والتلخيص، زادت حاجة الإنسان إلى ما لا تجيده الآلة بسهولة، السؤال، المعنى، الحكم الأخلاقي، والسياق.

في مقال "انتقام الإنسانيات"، يجادل الكاتب ستيفن جونسون في substack بأن الذكاء الاصطناعي لا يقلل قيمة الإنسانيات، بل يعيدها إلى الواجهة. فالتعامل مع النماذج اللغوية لا يحتاج إلى أوامر تقنية فقط، بل إلى قدرة على صياغة الأسئلة، قراءة المخرجات، كشف التحيز، فهم المعنى، ومساءلة النتائج. وبعبارته، فإن المهارات المطلوبة في هذه الثورة قد تكون أقرب إلى ورشة كتابة أو حلقة فلسفة منها إلى درس برمجة تقليدي.

مهارات المعنى

الفكرة هنا ليست أن التقنية لم تعد مهمة. بل العكس: التقنية أصبحت في كل مكان، ولذلك لم يعد يكفي أن نعرف كيف تعمل الأدوات، بل لماذا نستخدمها، ومتى نثق بها، ومن يتضرر منها. الذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج نصوص وصور وأكواد، لكنه لا يعرف وحده ما العادل، وما الجميل، وما السياق، وما الذي يستحق أن يقال أصلًا.

وهذا ما يجعل الإنسانيات تعود من الباب الخلفي لسوق العمل. لم تعد الكتابة مجرد مهارة مدرسية، بل صارت طريقة للتفكير مع الآلة. ولم تعد الفلسفة ترفًا، بل صارت شرطًا لفهم أسئلة مثل: من يملك البيانات؟ هل يمكن للآلة أن تكون محايدة؟ ما معنى الأصالة حين يكتب النموذج نصًا؟ وكيف نحمي الإنسان من أن يتحول إلى مجرد مدخلات في نظام؟

أرقام التراجع

المفارقة أن هذه العودة تأتي بعد سنوات طويلة من تراجع الإنسانيات في الجامعات. وفقًا لمؤشرات الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، منحت الجامعات الأمريكية في 2024 نحو 165,489 شهادة بكالوريوس في الإنسانيات، وهو أقل رقم منذ 1991، وأقل بنحو 30% من ذروتها الحديثة في 2012. كما تراجعت بعض التخصصات التاريخية داخل الإنسانيات، مثل الإنجليزية والتاريخ واللغات، بنسبة 42% بين 2012 و2024.

هذه الأرقام تكشف حجم التحول الثقافي الذي سبق لحظة الذكاء الاصطناعي: جيل كامل تلقى رسالة تقول إن المستقبل لمن يكتب الكود، لا لمن يقرأ الرواية. لكن المفارقة أن الكود نفسه صار يكتب جزءًا من نفسه، بينما بقيت الحاجة مفتوحة إلى من يفهم البشر.

سوق جديد

في المقابل، بدأت إشارات مختلفة تظهر. تقرير لـبيزنس إنسايدر تحدث عن "انتقام تخصصات الإنجليزية"، مشيرًا إلى أن بعض الجامعات، مثل جامعة كولورادو بولدر، بدأت ترى ارتفاعًا في الاهتمام بتخصصات الكتابة والإنسانيات بعد إدخال مساقات تربط الأدب والأخلاق والذكاء الاصطناعي. ونقل التقرير أن عدد دارسي الإنجليزية هناك ارتفع 9% منذ 2021، بعد سنوات من التراجع.

الأمر لا يتوقف عند الجامعات. فأشار تقرير "بي دبليو سي"  لعام 2026، الذي درس أكثر من مليار إعلان وظيفي عالميًا، أن الوظائف المبتدئة في المجالات المتأثرة بالذكاء الاصطناعي باتت تطلب مهارات كانت تُعد سابقًا "مهارات كبار": القيادة، الذكاء العاطفي، إدارة أصحاب المصلحة، التفكير الاستراتيجي، والقدرة على اتخاذ القرار. وفي الولايات المتحدة، أصبحت الوظائف المبتدئة المعرضة للذكاء الاصطناعي أكثر احتمالًا بنحو 7 مرات من عام 2019 أن تطلب هذه المهارات المتقدمة.

وهذه هي منطقة الإنسانيات بالضبط: قراءة الناس، لا النصوص فقط؛ فهم الدوافع، لا البيانات فقط؛ والقدرة على تفسير الغموض لا تحويله دائمًا إلى جدول.

الإنسان أولًا

حتى بعض قادة التقنية بدأوا يغيرون نبرة الحديث. قال المؤسس المشارك لـ"نتفليكس"، ريد هاستينغز، في مقابلة حديثة أن التركيز على العلوم والتكنولوجيا قد يكون "مبالغًا فيه"، وأن العالم قد يشهد عودة نحو الإنسانيات، خصوصًا المهارات العاطفية والفنية وفهم التاريخ والأدب وكيف يتفاعل البشر مع بعضهم، الفكرة ليست أن نترك العلوم، بل ألا نربي جيلًا يعرف كيف يبني الأنظمة ولا يعرف كيف يسأل عن أثرها.

العودة الصعبة

لكن "عودة الإنسانيات" ليست انتصارًا كاملًا بعد، فما زالت الأقسام تُغلق، والتمويل يتراجع، وسوق العمل لا يزال قاسيًا على الخريجين الجدد. كما أن القول إن الأدب والفلسفة سينقذان الجميع من الذكاء الاصطناعي سيكون تبسيطًا. المستقبل لن يكون للإنسانيات وحدها، ولا للتقنية وحدها، بل لمن يعرف كيف يجمع بينهما.

المهندس الذي يفهم الأخلاق سيكون أقوى. والكاتب الذي يفهم الخوارزميات سيكون أكثر تأثيرًا. 

الآلة قد تكتب، لكنها لا تعرف لماذا نبكي عند جملة. قد تلخص كتابًا، لكنها لا تعرف لماذا غيّر حياة قارئ. قد تنتج إجابة، لكنها لا تتحمل معناها. وهنا، تحديدًا، تعود الإنسانيات: لا كحنين إلى الماضي، بل كمهارة مستقبلية.