هل تذكرون تلك اللحظة التي كنتم فيها أطفالاً، تتأملون السماء وتظنون أن الغيوم مكارب بيضاء تمخر عباب الفضاء؟ كان ذلك خيالكم الأول، تجربة باكرة للانفصال عن الواقع، ومحاولة فطرية لتفسير العالم.

هكذا بدأ الخيال الإنساني، لا في الكتب ولا في الفلسفة، بل في دهشة الإنسان الأولى أمام العالم، والعرب جزء من هذا المسار الإنساني.

لقد عاش العربي بين صحراء واسعة وأحلام أوسع، وكان لا بد له أن يملأ هذا الفراغ الممتد حوله بصور ومعانٍ وأحلام، فمن رمال تتحرك مع الريح، صنع قصصاً عن مخلوقات غريبة، وعن قوافل تسير في الليل على نور نجم غامض، ومن تلك القصص الأولى تولد الخيال العربي، ثم نما حتى صار وجداناً وأفكاراً.

قال ابن عربي يوماً: إن الخيال هو البرزخ بين العالمين، عالم الحس وعالم المعنى، كلمة صغيرة، لكنها تختصر سراً ملهماً من أسرار الفكر العربي.

فنحن أبناء الخيال، نؤمن بالغيب كما نؤمن بالعيان، ونسكن في تلك المسافة الرمزية بين ما نرى وما نؤمن بوجوده.

إن في الفكر العربي نزعة خيالية لا تنكر، لكنها ليست خيال الهروب، بل خيال التفسير والبحث عن الجوهر، فالعقل العربي لا يكتفي بأن يرى، بل يريد أن يخلق معنى لما يرى.

حين تقرأ المعلقات، ترى الشاعر الجاهلي يرفع من صورة الناقة إلى رمز، ومن الرحلة إلى قدر، ومن الأطلال إلى فلسفة في الفناء، إنها ليست أوصافاً واقعية فحسب، بل صور تحمل دلالة خيالية تفيض بعاطفة الإنسان الأولى.

وما كان الشعر العربي إلا سجلاً لخيال يحاول أن يتصالح مع الصحراء، أن يزرع في الفراغ حياة، وأن يضع للعدم اسماً وصوتاً.

الزمن الحديث

وفي زمننا الحديث، حين بدأ العرب يترجمون الفلسفات الغربية، عاد السؤال: هل نحن أمة خيال أم أمة واقع؟

من يتأمل ألف ليلة وليلة، ورسالة الغفران وغيرها من المؤلفات، يدرك أن هذه الأمة كانت ولا تزال قادرة على أن تحلم بالممكن، وأن تحاور اللامرئي.

الخيال العربي، في جوهره، ليس خيال الأسطورة فقط، بل خيال الذاكرة والهوية، هو الوسيلة التي نعيد بها ترتيب الماضي، ونصيغ بها صورة المستقبل، حين يكتب الروائي عن مدينة مفقودة، أو عن حلم لم يتحقق، فإنه لا يهرب من واقعه، بل يعيد تخيله كي يتمكن من احتماله.

إننا لا نتخيل لأننا ضعفاء عن الفعل، بل لأن الخيال يسبق الفعل، وهو الوعي الذي يجرب قبل أن يغامر، ولأن الأدب هو ابن الخيال، فإن مستقبل الأدب العربي هو قدرته على أن يحلم من جديد، أن يوسع المساحة بين الممكن والمستحيل، وبين ما نعرفه وما نجرؤ على تصوره.

فالخيال ليس ضد الحقيقة، بل هو طريق آخر للوصول إليها، إنه اللغة التي يتحدث بها المجهول إلينا، والطريقة التي نفهم بها أنفسنا والعالم من حولنا.

في النهاية، ليس الخيال رفاهية ولا ترفاً، إنه جوهر إنسانيتنا، ومحرك فكرنا، وجسرنا بين الوجود والمعنى.

وحين يضيق الواقع، لا ننجو إلا بما وسع من خيالنا، ففي الخيال وحده نستطيع أن نكون أكثر مما نحن عليه، وأن نحلم بعالم يخلق في الكلمة، ويعيش في القلب.