لم تعد صناعة المحتوى اليوم مجرد سباق على عدد المشاهدات أو المتابعين، ولم تعد الأدوات التقنية وحدها كافية لصناعة التأثير أو بناء الدخل. ففي الوقت الذي أصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادراً على كتابة النصوص، وتوليد الأفكار، وتصميم الصور، وإنتاج مقاطع الفيديو خلال دقائق، يبرز سؤال أكثر عمقاً: ما الذي سيبقى لصانع المحتوى الإنسان؟ وهل تقود الأتمتة إلى محتوى أفضل، أم إلى محتوى أكثر تشابهاً؟
بين الخبراء وصناع المحتوى، يبدو أن الإجابة تتقاطع عند نقطة واحدة: الذكاء الاصطناعي يسرّع العمل، لكنه لا يصنع التجربة. يفتح فرصاً جديدة، لكنه لا يمنح المصداقية. يساعد على تحليل الجمهور، لكنه لا يبني الثقة وحده.
ويرى رجاء زهور ، الرئيس التنفيذي لشركة "دومينيون ماركيتس" أن القيمة الحقيقية في صناعة المحتوى لا تكمن في عدد المشاهدات، بل في نوعية الأسئلة التي يطرحها الجمهور. ويستعيد زهور بداياته قائلاً إنه عندما بدأ في نشر محتوى حول كيفية كسب المال عبر الإنترنت، لم يكن يفكر في تعدد مصادر الدخل، بل كان يشارك كل شيء: النجاحات، والخسائر، والأخطاء. في تلك المرحلة، لم يكن يدرك أنه يجمع بيانات مهمة عن جمهوره، لكن بعد أشهر بدأ يلاحظ تكرار الأسئلة نفسها: كيف أتجنب الخسارة؟ كيف أبدأ؟ كيف أحقق دخلاً مستمراً؟
هنا، كما يقول، ظهرت الفكرة الجوهرية: المال لا يختبئ في عدد الإعجابات، بل في الأنماط المتكررة داخل تفاعل الجمهور. فإذا تكرر السؤال نفسه، فهو ليس مجرد تفاعل عابر، بل مؤشر على طلب حقيقي يمكن تحويله إلى دورة تدريبية، أو مجتمع رقمي، أو برنامج توجيه، أو نموذج عمل متكامل.
ويشير زهور إلى أن تقديرات "غولدمان ساكس" تتوقع نمو اقتصاد صناع المحتوى من 250 مليار دولار إلى 480 مليار دولار بحلول عام 2027، بينما لا تتجاوز نسبة صناع المحتوى المحترفين عالمياً، ممن يحققون أكثر من 100 ألف دولار سنوياً، نحو 4%. وهذا، برأيه، يكشف فجوة كبيرة بين امتلاك الانتباه وتحويله إلى دخل.
في هذا السياق، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لكشف الفرص لا لاختراعها. فبدلاً من قراءة آلاف التعليقات يدوياً، يمكن للذكاء الاصطناعي تصنيفها، وتحليل سلوك الجمهور، وتحديد التحديات المتكررة بدقة. ويقول زهور إنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في عملهم لتحليل بيانات العملاء، وأتمتة التواصل، وتحسين العمليات التشغيلية. لكنه يؤكد أن المبدأ لم يتغير: "الذكاء الاصطناعي لا يخلق الفرصة، بل يكشف عنها بشكل أسرع".
غير أن سهولة إنتاج المحتوى تطرح تحدياً آخر: التشابه. فعندما تصبح الأدوات متاحة للجميع، ويعتمد كثيرون على القوالب نفسها والنبرة نفسها والأفكار نفسها، يصبح المحتوى مهدداً بفقدان هويته. وهنا يبرز مفهوم "العلامة التجارية الإنسانية" بوصفه الميزة التنافسية الأهم.
يقول زهور إنه في بداياته لم يكن يمتلك نصوصاً احترافية، ولم يكن أداؤه مثالياً أمام الكاميرا، لكنه امتلك شيئاً أهم: الشفافية. لقد شارك النجاحات والإخفاقات، وتحدث عن واقع كسب المال وإدارة التمويل الشخصي، لا عن لحظات التألق فقط. وهذا، كما يرى، هو ما جعل الناس يرتبطون به.
وفي مجال التمويل تحديداً، لا يتبع الجمهور المعلومات فقط، بل يتبع الأشخاص الذين يثق بهم. والثقة لا تُبنى من محتوى مثالي، بل من تجربة معاشة؛ من شخص خسر المال، واستعاده، وفهم المخاطرة كممارسة يومية لا كنظرية مجردة. ويقول زهور إن الذكاء الاصطناعي قد يجعل الشخص يبدو كخبير، لكنه لا يستطيع أن يجعله خبيراً فعلاً. ومع ازدياد الأتمتة، ستزداد قيمة الإنسان الذي خاض الرحلة بالفعل، لأن الناس في النهاية لا يثقون في المثالية، بل في التجربة الصادقة.
وتتفق هذه الرؤية مع ما يطرحه عدد من صناع المحتوى الإماراتيين. فالشيف فيصل الهرمودي يرى أن المال في صناعة المحتوى نتيجة وليس الهدف الأساسي. بالنسبة له، المحتوى وسيلة لنقل رسالة وإبراز الهوية الإماراتية والثقافة الغذائية المحلية للعالم. ويقول إن المحتوى الصادق، حين يحمل قيمة حقيقية، يصنع أثراً طويل المدى، وهذا الأثر هو ما يبقى. هدفه، كما يوضح، أن يترك بصمة تسهم في تطوير قطاع الضيافة، وتمكين المواهب الإماراتية، وإيصال القصص والمنتجات المحلية إلى جمهور أوسع داخل الدولة وخارجها.
ويضيف الهرمودي أن الذكاء الاصطناعي أداة قوية تساعد على تسريع العمل وتوليد الأفكار وتحسين الكفاءة، لكنه لا يستطيع أن يستبدل التجربة الإنسانية بالكامل. فالخطر، برأيه، ليس في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في طريقة استخدامه. عندما يعتمد الجميع على الأدوات نفسها من دون إضافة بصمتهم الشخصية، يصبح المحتوى متشابهاً. أما حين يستخدمه المبدع لدعم أفكاره وخبراته وقصته الخاصة، فإنه يتحول إلى وسيلة لتعزيز التميز.
أما خالد الأستاد، المصور وصانع المحتوى الإماراتي، فينظر إلى صناعة المحتوى بوصفها امتداداً للفن والتوثيق أكثر من كونها وسيلة للربح. سواء كان يرسم لوحة، أو يلتقط صورة لكائن بري، أو يشارك قصة من الإمارات، فإن هدفه الأساسي هو نقل رسالة وترك أثر يبقى مع الزمن. المال، بالنسبة له، مهم لاستدامة العمل، لكنه ليس الدافع الرئيسي. ما يشغله أكثر هو أن يقدم محتوى يجعل الناس ينظرون إلى محيطهم بطريقة مختلفة، ويكتشفون تفاصيل ربما لم يلاحظوها من قبل.
ويقول الأستاد إن الذكاء الاصطناعي قد يساعد الفنان أو صانع المحتوى في تطوير فكرة أو تسريع مرحلة من مراحل العمل، لكنه لا يستطيع أن يعيش التجربة التي ألهمت اللوحة، أو يشعر بالدهشة عند اكتشاف كائن نادر في الطبيعة، أو يحمل ذاكرة مرتبطة بمكان أو ثقافة. لذلك، يرى أن الذكاء الاصطناعي سيجعل إنتاج المحتوى أسهل، لكنه لن يستبدل البصمة الإنسانية التي تجعل العمل مميزاً وأصيلاً.
وفي الاتجاه نفسه، يرى صانع المحتوى الإماراتي عيسى أمين أن الذكاء الاصطناعي غيّر معنى صانع المحتوى بشكل كبير. فصانع المحتوى لم يعد يعتمد فقط على الفكرة والتصوير والمونتاج، بل أصبح أقرب إلى "مخرج منظومة محتوى". فالذكاء الاصطناعي يساعد في البحث، وتوليد الزوايا، وكتابة النصوص، واقتراح العناوين، وبناء التصورات البصرية، بل واختبار أكثر من نسخة للفكرة قبل النشر.
لكن أمين يشدد على أن الذكاء الاصطناعي لا يصنع الهوية ولا الإحساس ولا المصداقية. هو يسرّع العمل، لكنه لا يعوّض الخبرة ولا الحكم التحريري. الفرق الحقيقي، كما يقول، أصبح في قدرة صانع المحتوى على طرح السؤال الصحيح، والتحقق من المعلومة، واختيار الزاوية التي تناسب جمهوره. بالنسبة له، الذكاء الاصطناعي مساعد ذكي، وليس بديلاً عن الإنسان.
وعلى مستوى الأدوات، يوضح أمين أنه يستخدم "ChatGPT" في العصف الذهني، وبناء النصوص، وتبسيط الأخبار، وتحويل الأفكار إلى صيغ مناسبة للريلز أو الكاروسيل أو التغريدات. كما يستخدم Canva في التصميم السريع وبناء القوالب البصرية، إلى جانب أدوات مثل Meta AI وRunway وHiggsfield لتطوير التصورات البصرية وتجربة المشاهد وتحويل بعض الأفكار إلى نماذج أولية قبل التنفيذ. ويستخدم Suno أحياناً في صناعة الموسيقى أو اختبار المزاج الصوتي المناسب للفكرة. لكن القاعدة بالنسبة له واضحة: الأداة لا تقود المحتوى، بل تخدم الرسالة.
وهذه النقطة تحديداً يركز عليها زهور عند الحديث عن الأدوات التي يمكن أن تساعد صناع المحتوى على القفز بدخلهم من خمسة إلى سبعة أرقام. فهو يرى أن المشكلة ليست في الأدوات نفسها، بل في طريقة استخدامها. عندما بدأت أدوات الذكاء الاصطناعي في الانتشار، قام فريقه، كما فعلت شركات كثيرة، بدمجها في كل شيء: المحتوى، والأتمتة، والتواصل، والبيانات. بدا ذلك على الورق تطويراً للعمل، لكنه في الواقع زاد التعقيد، وجعل الأنظمة غير متصلة بصورة صحيحة.
ومن تجربته في مجال الربح عبر الإنترنت، يقول زهور إن كثرة المؤشرات لا تجعل الشخص رائد أعمال أفضل، بل قد تزيد تشتته إذا لم يكن يفهم ما ينظر إليه. وينطبق الأمر نفسه على الذكاء الاصطناعي. ومع دخول الذكاء الاصطناعي مرحلة يصبح فيها جزءاً من البنية التحتية للأعمال، يشير زهور إلى توقعات «غارتنر» بأن 40% من تطبيقات الشركات ستتضمن، بحلول نهاية عام 2026، وكلاء ذكاء اصطناعي يؤدون مهام محددة.
لكن التحول الحقيقي في عمله بدأ عندما تراجع خطوة إلى الخلف وبسّط كل شيء. حينها أصبح استخدام الذكاء الاصطناعي أكثر فاعلية في فهم سلوك العملاء عبر بيانات إدارة علاقات العملاء، وتحسين سرعة الاستجابة والتواصل، ودعم عمليات انضمام العملاء الجدد والتحقق من الوثائق، وتبسيط العمليات الداخلية وتسريع التنفيذ. ويؤكد زهور أن الذكاء الاصطناعي لا يصلح نظاماً معطلاً، بل يضخم النظام الموجود بالفعل. فإذا كان هيكل العمل واضحاً، يساعد الذكاء الاصطناعي على التوسع بسرعة أكبر.
ومع ذلك، فإن التوسع لا يعني بالضرورة ملاحقة الأرقام الكبيرة فقط. فواحد من أهم التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي هو الانتقال من التركيز على «آلاف المتابعين» إلى «الجماهير الصغيرة ذات النوايا العالية». يروي زهور أن نمو جمهوره في البداية كان بطيئاً، واستغرق شهوراً لبناء أول بضعة آلاف من المتابعين، وسنوات لبناء الثقة. لم يأتِ ذلك من عرض لحظات النجاح وحدها، بل من مشاركة الأرباح والخسائر، والظهور في بث مباشر بانتظام لشرح طريقة تفكيره وكيفية تعامله مع المال. لقد بنى مشروعه علناً، وما زالت تحديات مثل «من 50 دولاراً إلى 50 ألف دولار» التي ينفذها مباشرة أمام مجتمعه جزءاً من هذه الفكرة، كي يرى الناس أن الأمر يتعلق بالتنفيذ لا بالكلام فقط.
في المقابل، أصبحت مساحة صناعة المحتوى أكثر ازدحاماً. ويشير زهور إلى أن عدد المؤثرين في دول مجلس التعاون الخليجي تجاوز 263 ألفاً، بزيادة قدرها 75% خلال عامين فقط. ومع هذا الازدحام، أصبح من السهل أن يبدو الشخص خبيراً أو صاحب سلطة بفضل الذكاء الاصطناعي، حتى من دون امتلاك خبرة حقيقية. وهذا، كما يقول، يخلق أزمة ثقة، خصوصاً في مجالات مثل التمويل حيث لا تؤدي النصيحة السيئة إلى إضاعة الوقت فقط، بل قد تكلف الناس أموالهم.
لذلك، يرى زهور أن التحول الحقيقي ليس من الجمهور الكبير إلى الجمهور الصغير فحسب، بل من الظهور إلى المصداقية. ويمكن للجمهور، برأيه، أن يميز الخبرة الحقيقية عبر أسئلة بسيطة: هل هذا الشخص مستمر وثابت بمرور الوقت؟ هل يعرض النجاحات والخسائر معاً؟ هل يستطيع شرح الأمور ببساطة من دون الاختباء خلف المصطلحات المعقدة؟ هل يبني مشروعه علناً أم يكتفي بعرض النتائج النهائية فقط؟
هذه المعايير هي ما يميز القيمة عن الضجيج. ويقول زهور إنه لا يركز في منصاته على عدد المشاهدين بقدر ما يركز على من يعود للمتابعة، ومن يطرح أسئلة جادة، ومن يحاول فعلاً التعلم والبناء. فالجمهور الكبير قد يمنح صانع المحتوى مظهراً ضخماً، لكن الجمهور ذي النية العالية هو الذي يبني العمل التجاري الحقيقي، وهذا لا يتحقق إلا من خلال الثقة.
ومن زاوية محلية، تبدو هذه الفكرة حاضرة أيضاً في تجارب صناع المحتوى الإماراتيين. فالشيف فيصل الهرمودي يربط التأثير بالأصالة والشغف والتجربة، مؤكداً أن التكنولوجيا قد تؤتمت كثيراً من المهام، لكنها لا تستطيع أن تستنسخ الشغف أو التجربة. وخالد الأستاد يرى أن المستقبل سيكون لصناع المحتوى الذين لا يكتفون باستخدام الأدوات، بل يوظفونها للتعبير عن أفكارهم وتجاربهم وهويتهم الخاصة، لأن التقنية قد تنتج المحتوى، لكنها لا تنتج الشغف ولا الفضول ولا الإحساس الذي يجعل الناس يتفاعلون مع العمل ويتذكرونه. أما عيسى أمين فيرى أن صانع المحتوى المؤثر هو من يحوّل المعلومة المعقدة إلى قصة بسيطة يفهمها الجمهور ويتفاعل معها، ومن يسأل دائماً: ما الفائدة التي سيخرج بها المتابع بعد دقيقة واحدة من هذا المحتوى؟
في النهاية، لا يبدو أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على صناعة المحتوى، بل سيعيد تعريفها. سيجعل الإنتاج أسرع، والمنافسة أوسع، والتشابه أكثر احتمالاً. لكنه في الوقت نفسه سيكشف من يمتلك نظاماً واضحاً، ورسالة صادقة، وتجربة حقيقية، وجمهوراً يثق به.
المحتوى في عصر الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد نص جيد أو صورة جذابة أو فيديو سريع الانتشار. سيكون مزيجاً من البيانات والحدس، والأدوات والخبرة، والأتمتة والإنسانية. وبينما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد صانع المحتوى على فهم جمهوره وتسريع عمله وتوسيع دخله، فإن ما سيبقيه مؤثراً هو ما لا تستطيع الخوارزميات إنتاجه: الصدق، والهوية، والتجربة، والثقة.