استعادت مدينة حلب السورية أحد أبرز معالمها الدينية والتاريخية، مع إعادة افتتاح الجامع الأموي الكبير، أمس الخميس، بعد نحو 13 عاماً من خروجه عن الخدمة جراء الأضرار التي لحقت به خلال الحرب، ويمثل افتتاح الجامع محطة مهمة في مسار ترميم المدينة القديمة، وإحياء معالمها التي تعرضت للتدمير والتضرر خلال سنوات النزاع.
وجرى افتتاح المسجد بحضور مسؤولين، وأكد محافظ حلب عزام الغريب على أهمية عودة الجامع إلى المدينة، باعتباره أحد أبرز رموزها التاريخية والدينية، وتأتي هذه الخطوة في وقت تتواصل فيه الجهود الرامية إلى إعادة تأهيل المباني التاريخية واستعادة الحياة إلى أحياء حلب القديمة.
الجامع الأموي.. تاريخ يمتد لأكثر من 1300 عام
يقع الجامع الأموي الكبير في قلب المدينة القديمة بحلب، بالقرب من سوق المدينة التاريخي، ويُعد من أهم المساجد الأثرية في سوريا والعالم الإسلامي، وترتبط بدايات بنائه بالعصر الأموي، خلال حكم الخليفة الوليد بن عبد الملك، إذ بدأت أعمال تشييده عام 715 ميلادية، واكتمل بناؤه في عهد أخيه الخليفة سليمان بن عبد الملك، عام 717 ميلادية، وفقاً للمعلومات التاريخية التي يوثقها مركز التراث العالمي التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو".
وشهد المسجد على امتداد تاريخه تحولات كبيرة، نتيجة الحرائق والزلازل والغزوات، فضلاً عن أعمال التوسعة والترميم التي تعاقبت عليه في عصور مختلفة.
فقد تعرض للتدمير جراء حريق في القرن العاشر، قبل أن يُعاد بناؤه في عهد سيف الدولة الحمداني عام 962 ميلادية، ثم شهد أعمال ترميم وتطوير في العهد الزنكي، ولا سيما خلال فترة نور الدين زنكي في القرن الثاني عشر.
وتعكس هذه المراحل التاريخية الطابع المعماري المتنوع للجامع، الذي يجمع بين عناصر من العمارة الإسلامية المبكرة والتأثيرات السلجوقية والمملوكية والعثمانية، بما يجعله شاهداً على تعاقب الدول والحضارات على حلب.
مئذنة تاريخية وصحن واسع
تتميز عمارة الجامع بصحنه الواسع المحاط بالأروقة، وقاعة الصلاة، والعناصر الحجرية والزخرفية التي تعكس تقاليد البناء في المنطقة. كما اشتهر تاريخياً بمئذنته المربعة التي أُنشئت في أواخر القرن الحادي عشر، خلال الفترة السلجوقية، وكانت من أبرز معالم المدينة القديمة.
وبلغ ارتفاع المئذنة نحو 45 متراً، وتميزت بنقوشها الحجرية وتفاصيلها المعمارية. ولم تكن أهميتها مقتصرة على وظيفتها الدينية، بل مثّلت أيضاً نموذجاً معمارياً مؤثراً في تصميم عدد من المآذن التاريخية في سوريا.
ويضم الجامع كذلك معالم دينية وتراثية ارتبطت بذاكرة سكان حلب، من بينها مقام يُنسب إلى النبي زكريا، والد النبي يحيى، وهو ما أضفى عليه مكانة خاصة لدى المصلين والزوار.
أضرار الحرب وجهود الترميم
تعرض الجامع الأموي الكبير لأضرار جسيمة خلال الحرب السورية، خصوصاً منذ عام 2012، عندما طالت الحرائق والاشتباكات أجزاء من مبناه ومحيطه، بما في ذلك الأروقة الشرقية والجدران وبعض أجزاء الصحن والمكتبة الوقفية.
وفي أبريل 2013، انهارت المئذنة التاريخية في ظروف القتال، لتفقد حلب أحد أبرز معالم أفقها العمراني. ووثقت اليونسكو الأضرار التي لحقت بالجامع ضمن تقاريرها المتعلقة بحماية التراث الثقافي في المدينة القديمة، التي تعرضت أجزاء واسعة منها للدمار.
ولم تقتصر أعمال التعافي على إزالة الأنقاض وإصلاح الأجزاء المتضررة، بل شملت أيضاً توثيق العناصر المعمارية، وفحص الأحجار، ودراسة طرق تدعيم الأجزاء المتبقية، إلى جانب العمل على ترميم العناصر التاريخية وفق أسس فنية تراعي القيمة الأثرية للمبنى.
وأكدت وثائق اليونسكو أهمية التعامل مع الجامع باعتباره جزءاً من نسيج عمراني متكامل، يضم الأسواق والخانات والمدارس والمباني التاريخية التي تشكل هوية حلب القديمة.
افتتاح يتجاوز البعد الديني
يحمل افتتاح الجامع الأموي الكبير دلالات تتجاوز عودة إقامة الشعائر الدينية داخله، إذ يمثل استعادة أحد أبرز مكونات الذاكرة الجماعية لسكان حلب، وعودة معلم ارتبط بالحياة اليومية والاجتماعية والثقافية للمدينة على مدى قرون.
كما يعيد الحدث الاهتمام بملف حماية التراث السوري، الذي تكبد خسائر كبيرة خلال سنوات النزاع، ويبرز أهمية استمرار أعمال الترميم في المدينة القديمة، بما يشمل الأسواق التاريخية والمباني الدينية والأثرية.
وتبقى عملية إعادة تأهيل هذه المعالم تحدياً يتطلب تمويلاً وخبرات متخصصة وتنسيقاً بين الجهات المعنية، لضمان الحفاظ على أصالتها المعمارية، وعدم الاكتفاء بإعادة بنائها من الناحية الشكلية.
حلب تستعيد جزءاً من ذاكرتها
تُعد المدينة القديمة في حلب، المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1986، من أبرز المراكز التاريخية في المنطقة، لما تضمه من قلعة وأسواق ومساجد ومدارس ومبانٍ تعكس مراحل متعددة من تاريخ الشرق الأوسط.
ومن هذا المنطلق، يشكل افتتاح الجامع الأموي الكبير خطوة رمزية وعملية في مسار استعادة تراث المدينة، ورسالة إلى سكانها بأن المعالم التي صمدت قروناً أمام الحروب والكوارث يمكن أن تستعيد دورها من جديد.
ومع عودة الجامع إلى استقبال المصلين والزوار، تتجه الأنظار إلى مستقبل أعمال الترميم في بقية أحياء حلب التاريخية، ومدى قدرة الجهود المحلية والدولية على حماية هذا الإرث، وتحويل إعادة الإعمار إلى مسار مستدام يعيد الحياة إلى المدينة ويحافظ على هويتها للأجيال المقبلة.