شهدت إسبانيا اكتشافاً أثرياً لافتاً أعاد تسليط الضوء على عمق العلاقات التجارية والثقافية التي ربطت حضارات البحر الأبيض المتوسط قبل آلاف السنين، بعدما عثر علماء آثار على تميمة داخل مقبرة قديمة في مقبرة «إل تورو» الواقعة في شبه الجزيرة الأيبيرية.
وأثار الاكتشاف تساؤلات واسعة حول الكيفية التي وصلت بها تميمة مصرية إلى منطقة تبعد مئات الكيلومترات عن وادي النيل، في زمن سبق السيطرة الرومانية على إسبانيا بقرون طويلة وفق ديلي جالاكسي.
وعُثر على تميمة الجعران داخل مقبرة تعود إلى شعب أوريتاني، أحد الشعوب المحلية القديمة في إيبيريا، إلى جانب رفات محروقة وقطع جنائزية تعكس الطقوس الإيبيرية التقليدية، إلا أن التميمة نفسها بدت مختلفة تماماً، إذ صنعت من الخزف وزُينت بنقوش هيروغليفية مصرية، ما أكد أصلها المصري القديم.
ويُعد الجعران من أشهر الرموز الدينية في الحضارة المصرية القديمة، حيث ارتبط بخنفساء الجعران المقدسة التي اعتبرها المصريون رمزاً للتجدد والبعث ودورة الحياة.
وكان المصريون يربطون حركة الخنفساء بإله الشمس «رع»، لذلك استخدمت الجعارين على نطاق واسع في صناعة التمائم والحلي والأختام الجنائزية، كما وُضعت داخل المقابر اعتقاداً بأنها تمنح الحماية للميت في الحياة الآخرة.
ويحمل الجعران المكتشف نقوشاً هيروغليفية وديموطيقية تشير، بحسب الباحثين، إلى لقب ارتبط بعدد من فراعنة الأسرة السادسة والعشرين، وهو ما يرجح أن القطعة تعود إلى فترة ازدهار التجارة المصرية في شرق المتوسط.
كما يعتقد علماء الآثار أن التميمة ربما كانت تخص شخصاً ذا مكانة رفيعة، مثل تاجر أو شخصية نافذة، قبل أن تنتقل عبر شبكات التجارة البحرية إلى غرب البحر المتوسط.
ويرجح الباحثون أن التجار الفينيقيين والبونيين لعبوا الدور الأكبر في نقل هذه القطعة إلى شبه الجزيرة الأيبيرية، إذ أسسوا خلال القرن السادس قبل الميلاد شبكات تجارية واسعة ربطت مصر بموانئ المتوسط الغربية.
وهناك احتمال أنه ربما انتقل عبر تلك الطرق التجارية حتى وصل إلى وادي جبلون القريب من موقع المقبرة، وهو ما يعكس حجم التبادل التجاري والثقافي بين الحضارات القديمة.
ولا تكمن أهمية الاكتشاف في الجعران وحده، بل في السياق الذي عُثر فيه عليه، إذ وُجد إلى جانب أدوات دفن محلية تعود لشعب أوريتاني، ما يشير إلى أن التأثير المصري لم يكن مجرد تبادل سلع، بل ربما امتد إلى الرموز والمعتقدات الثقافية أيضاً.
ويرى باحثون أن هذا النوع من الاكتشافات يغيّر الصورة التقليدية عن عزلة الحضارات القديمة، ويؤكد وجود عالم مترابط عبر التجارة والرموز المشتركة منذ آلاف السنين.
ورغم أهمية الاكتشاف، لا تزال الأسئلة مطروحة حول الزمن الدقيق الذي وصلت فيه التميمة إلى إسبانيا، وما إذا كانت قد انتقلت مباشرة من مصر أم عبر وسطاء فينيقيين.
كما أن الموقع الأثري لا يزال يخضع لعمليات تنقيب مستمرة، وسط توقعات بالكشف عن قطع أثرية جديدة قد تساعد في فهم أوسع لطبيعة العلاقات بين مصر القديمة وشعوب غرب المتوسط.
ويؤكد هذا الاكتشاف أن النفوذ الثقافي للحضارة المصرية لم يقتصر على حدود وادي النيل، بل امتد عبر البحار ليصل إلى مناطق بعيدة، تاركاً بصماته في حضارات أخرى، حتى بعد مرور آلاف السنين على تلك الرحلات التجارية القديمة.