الإعلام وقت الأزمات.. متى يكون الصمت أبلغ من الكلام؟

في جلسة «ماذا بعد الأزمة؟» ضمن منتدى الإعلام الإماراتي، لم يكن الحديث عن الإعلام بوصفه ناقلًا للحدث، بل بوصفه جزءًا من معركة المعنى. هناك، وضع معالي الدكتور علي راشد النعيمي، رئيس لجنة شؤون الدفاع والداخلية والخارجية في المجلس الوطني الاتحادي، أمام الإعلاميين سؤالًا جاداً: ماذا لو تحولت سرديتك، من حيث لا تدري، إلى مادة يستخدمها خصمك ضدك؟

لم تكن الفكرة دعوة إلى الصمت المطلق، بل إلى الوعي بقيمة الكلمة. ففي الأزمات، لا تكون الجملة بريئة دائمًا، ولا الصورة عابرة، ولا الحماس دليل مهنية. قد تقول شيئًا صحيحًا في توقيت خاطئ، أو تنشر تفصيلًا صغيرًا يكتمل به مشهد كبير في يد غيرك. لذلك، لا نحتاج دائمًا إلى الكلام. أحيانًا يكون التريث موقفًا، والانتظار مهنية، والصمت حماية للمعنى لا فراغًا.

الفكرة التي بقيت عالقة في الذهن كانت بسيطة وقاسية: سرديتك قد تخدم خصمك وأنت لا تعرف. لذلك، لا نحتاج إلى متحمس لا يملك معلوماته الدقيقة، ولا إلى دور بطولي لا نملك مقوماته، ولا إلى تحليل سريع يسبق المصادر الرسمية ثم يعود ليعتذر بعد أن يكون الضرر قد وقع.

في زمن الأزمات، ليست البطولة أن تكون أول من قال. البطولة أحيانًا أن تكون أذكى من أن تُستدرج إلى قولٍ ناقص.

درس من كييف

في مايو 2023، خلال هجوم روسي واسع على كييف، صوّر بعض السكان عمل الدفاعات الجوية الأوكرانية ونشروا المقاطع على وسائل التواصل. ما بدا عند البعض توثيقًا لحظة بلحظة، أو مشاركة مدنية طبيعية، تحوّل في نظر السلطات الأوكرانية إلى خطر أمني مباشر.

أعلنت «خدمة الأمن الأوكرانية» أنها حدّدت ستة أشخاص نشروا صورًا ومقاطع يمكن أن تكشف مواقع وأنماط عمل الدفاع الجوي، وأن تلك المواد التقطتها قنوات دعائية روسية وأعادت نشرها. ووفق تقارير أوكرانية، قد تصل العقوبة في مثل هذه الحالات إلى ثماني سنوات سجناً.

هذه الحالة تختصر معنى الجملة التي قيلت في الجلسة. ليس كل ما تراه يجب أن تنقله. وليس كل ما تعرفه يجب أن تقوله. فالعدو، أو الخصم، أو الطرف الآخر، لا يحتاج دائمًا إلى اختراق كبير؛ أحيانًا يكفيه مقطع صغير صُوّر بحماس، أو زاوية كاميرا كشفت موقعًا، أو جملة عابرة أعطته ما كان يبحث عنه.

هنا لا تكون المشكلة في النية، بل في الأثر. كثيرون لا يريدون خدمة الطرف الآخر، لكنهم يفعلون ذلك حين ينسون أن المعلومة في الأزمة لا تسير في اتجاه واحد. ما تنشره لجمهورك قد يراه من يراقبك. وما تكتبه لتشرح موقفك قد يُستخدم لإضعافه.

الرياضة الفاضحة

وليست الحرب وحدها هي التي تكشف خطورة الكلام الزائد أو البيانات غير المحسوبة. في 2018، نشرت منصة «سترافا» الرياضية خريطة حرارية عالمية تُظهر مسارات مستخدميها في الجري وركوب الدراجات. الخريطة كانت في ظاهرها أداة جميلة لعشاق الرياضة؛ نقاط مضيئة ترسم حركة البشر حول العالم. لكنها كشفت بالخطأ مواقع قواعد عسكرية ومسارات دوريات في مناطق حساسة، لأن جنودًا كانوا يستخدمون ساعاتهم وتطبيقاتهم أثناء التدريب أو الحركة.

نشر موقع «وايرد» آنذاك أن الجيش الأميركي أعاد مراجعة سياساته الأمنية بعدما أظهرت خريطة «سترافا» قواعد ومسارات في أماكن كان يفترض ألا تكون مكشوفة. لم يكن أحد يتحدث في مؤتمر صحفي، ولم يسرّب جندي وثيقة سرية. كان الأمر مجرد بيانات حركة، لكنها حين تجمعت صنعت سردية مكانية كاملة: من يتحرك؟ أين؟ ومتى؟ وكم مرة؟

هذا المثال مهم للإعلام أيضًا. لأن السردية لا تُصنع بالكلمات وحدها. الصورة سردية، والموقع سردية، والتوقيت سردية، والصمت أحيانًا سردية. والخصم الذكي لا ينتظر تصريحًا واضحًا، بل يجمع الشظايا الصغيرة، ثم يبني منها صورة كبيرة.

منشور جندي

في 2014، استخدم محققون، بينهم فريق «بيلينغكات»، منشورات وصورًا على «إنستغرام» منسوبة إلى جنود روس لتتبع وجودهم في أوكرانيا. بعض الصور، وبعض الإشارات الجغرافية، وبعض التفاصيل التي بدت شخصية، تحولت إلى مادة تحقيق دولية. وفي أحد تقارير «بيلينغكات»، ساعد حساب جندي روسي على كشف مؤشرات عن وجود عسكري روسي داخل الأراضي الأوكرانية.

هذا ليس مثالًا عن خطأ صحفي، بل عن خطأ سردي. الإنسان يظن أنه يروي يومه، لكنه أحيانًا يكشف موقعه. يظن أنه يشارك صورة، لكنه يضيف قطعة إلى ملف. يظن أنه يقول شيئًا عابرًا، لكنه يمنح الآخرين قرينة.

ومن هنا تكون مسؤولية الصحفي مضاعفة. فإذا كان منشور فرد عادي قد يتحول إلى دليل، فكيف بجملة إعلامية صادرة من مؤسسة؟ كيف بتحليل سياسي؟ كيف بعبارة تقال تحت ضغط الترند ثم تتلقفها حسابات ومواقع ومنصات خارجية لتقول: انظروا ماذا يقولون عن أنفسهم؟

الكلام الذي يُغرق السفن

هذه الفكرة ليست جديدة. في الحرب العالمية الثانية، انتشرت في الولايات المتحدة عبارة شهيرة: «الألسنة المنفلتة تُغرق السفن». وكانت حملة مكتب معلومات الحرب ومجلس إعلانات الحرب تحذر الجنود والمدنيين من الكلام غير المحسوب، لأن حديثًا عابرًا في مقهى أو رسالة أو مكالمة قد يكشف حركة سفينة أو خطة عسكرية. وفي بريطانيا، انتشرت عبارة قريبة: «الكلام المهمل يكلّف أرواحًا».

كانت تلك الحملات تفهم أمرًا بديهيًا: ليس الخطر في الخيانة وحدها، بل في الثرثرة. في الإنسان الذي يريد أن يبدو عارفًا، مطلعًا، قريبًا من الحدث، فيقول أكثر مما ينبغي.

اليوم لم تعد المقاهي وحدها هي مكان الثرثرة؛ صار لدينا منصات لا تنام، وخوارزميات تكافئ الأسرع والأكثر إثارة، لا الأدق والأكثر اتزانًا.

لذلك يحتاج الإعلامي، في لحظات الأزمة، إلى مقاومة إغراء الظهور. أن يسأل نفسه قبل النشر: هل أضيف حقيقة أم أضيف ضجيجًا؟ هل أخدم فهم الجمهور أم أخدم سردية مضادة؟ هل أملك المعلومة كاملة أم أملأ الفراغ بظن جميل؟ وهل هذه الجملة، لو أخذها الآخر من سياقها، ستبقى في مصلحة الحقيقة؟

 حارس معنى

الأثر الأعمق لجلسة «ماذا بعد الأزمة؟» لم يكن في أنها أعطت إجابات جاهزة، بل في أنها أعادت تعريف السؤال. ماذا بعد الأزمة؟ بعد الأزمة لا يكفي أن نكتب كما كنا نكتب، ولا أن ننشر كما كنا ننشر. هناك مرحلة جديدة تحتاج إلى إعلام يعرف أن الكلمة ليست ملكًا لصاحبها بعد نشرها. ستخرج، وستسافر، وستُترجم، وستُقتطع، وربما تُحارب بها سرديتك.

هنا يصبح الاعتماد على المصادر الرسمية ليس بطئًا، بل حماية. ولا يكون التريث خوفًا، بل مهنية. ويصبح عدم الكلام، في بعض اللحظات، قرارًا أخلاقيًا. فالفراغ الذي لا تملؤه بمعلومة ناقصة أفضل من ضجيج يملؤه الآخر ضدك.

الإعلام المسؤول ليس صامتًا دائمًا، لكنه لا يتكلم لمجرد أن الساحة صاخبة. لا يبحث عن بطولة شخصية في ظرف عام. لا يخلط بين الجرأة والتسرع، ولا بين التحليل والتخمين، ولا بين القلق والوعي.

خرجت من الجلسة وأنا أفكر أن الصحفي، في الأزمات، لا يحتاج إلى صوت أعلى فقط؛ يحتاج إلى فرامل داخلية. إلى ذلك الحس الذي يقول له: هذه المعلومة لم تنضج بعد. هذه الجملة قد تُفهم على غير وجهها. هذا العنوان قد يخدم من لا أريد خدمته. وأن الصمت، الآن، ليس عجزًا، بل موقف.

لأن السردية ليست ما نقوله فقط. السردية أيضًا ما نمنع خصومنا من استخدامه ضدنا.