ادخل إلى أي مطعم صغير (Bistro) جرى افتتاحه مؤخراً في أي عاصمة أو مركز حضري عالمي، وستشعر بأن الخطوط والتفاصيل التصميمية مألوفة لديك فوراً: لافتة نيون تشع بعبارة غير مألوفة ولافتة فوق جدار من اللبلاب الاصطناعي الكثيف، وتحتها تستقر طاولة ذات سطح رخامي، لا تضيئها خبوة شموع دافئة وذاهبة في الأجواء، بل وحدة إضاءة ساطعة وُضعت بعناية فائقة لطرد وتشتيت أي ظلال حادة.

إن هذا التناغم ليس وليد مصادفة في التصميم الداخلي، بل هو استراتيجية معمارية محسوبة؛ فخلال أكثر من قرن من الزمان، كانت المساحات ووجبات الطعام تُصمم وتُهندس لتخاطب الحواس المادية الملموسة: الثقل الملموس لقائمة الطعام، الدفء الصوتي والسمعي للغرفة، والشذى الفواح لصلصة تطهى على نار هادئة. أما اليوم، فهناك معيار جديد ولا يرحم هو من يملي علينا كيف نبني ونطبخ: إلى أي مدى يمكن اختزال هذا المفهوم وكبسه داخل إطار رقمي؟

لقد دخلنا عصر المساحات وتجارب تناول الطعام "المُصممة من أجل الشاشة وتغذية المنصات" (Designed for the feed). إذ يُعاد تنظيم العالم المادي وبنائه بشكل متزايد ليعمل كاستوديو تصوير مثالي، متحولاً بمرور الوقت بالرواد والمستهلكين العاديين إلى طواقم إنتاج سلبية تعمل لصالح التسويق البصري للمكان.

بدأ هذا التحول في أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين (2010 وبعدها) لكنه وصل اليوم إلى ذروته الهيكلية والتنفيذية. لقد كانت تصاميم قطاع الضيافة تُقاد في الماضي بعلم أرجونوميا المساحات — كيف يدعم الكرسي أريحية الجالس طوال عشاء يمتد لساعتين، أو كيف تخلق الإضاءة حالة من الألفة والمودة عبر الطاولة. أما الآن، فقد بات على المصممين مراعاة "أرجونوميا وسائل التواصل الاجتماعي" قبل أي شيء آخر.

أصبحت مرايا دورات المياه محاطة بحلقات توهج من إضاءة الـ LED بدون فواصل، لضمان إضاءة هالة خالية من العيوب لالتقاط صور الـ (Selfie). وتتميز صالات الطعام بوجود "جدران استعراضية" مخصصة جرى هندستها لتعمل كخلفيات عالية التباين لمقاطع الفيديو الطولية. وحتى التصميم الصوتي والبيئي قد تحول؛ إذ إن الهدوء الذي كان يميز المطاعم الفاخرة ذات يوم، أفسح المجال لإضاءة منتشرة وساطعة ومتجانسة تسمح لمستشعر الهاتف الذكي بالتقاط ألوان حية وناصعة دون أي تشويش رقمي.

وهذا التحول البصري يبدو أكثر جلاءً ووضوحاً على طبق الطعام نفسه؛ فلطالما أدرك الطهاة أن العين تأكل قبل الفم، لكن إعداد الأطباق وتنسيقها في الماضي كان يركز على الهندسة ثلاثية الأبعاد والتقديم المباشر على الطاولة. أما اليوم، فالأطباق جرى هندستها وتطويرها خصيصاً لتصمد وتألق خلال رحلتها عبر عدسة الهاتف.

تأمَّل صعود تقليعة تناول الطعام بأسلوب "التصوير المباشر من الأعلى" (Flat-lay). فقد باتت الصواني، وتشكيلات وجبات الفطور الممتدة، وأكواب القهوة المبتكرة تُنسق بعناية ليتم تصويرها من زاوية علوية مستقيمة بـ90 درجة.

ووُظّفت الملامس والقوام البصري لإيصال الطعم ورسمه عيانياً: الصلصات تُسكب في خطوط مائلة عالية التباين، بينما يُختار الديكور الخارجي بناءً على حيويته وتألقه تحت المعالجة الرقمية الشرسة للهواتف.

يضعنا هذا التحول أمام مفارقة مذهلة؛ فمن خلال إعطاء الأولوية للجاذبية الفوتوغرافية على حساب التجربة المادية الملموسة، تعيد المساحات الواقعية تشكيل هندستها لتلائم قيود الشاشة الصغيرة في قبضة اليد. لم يعد المحيط المادي هو الوجهة النهائية؛ بل أضحى المادة الخام للبث الرقمي.

ويرى النقاد أن هذا التجانس الجمالي يتسبب في تآكل الطابع المحلي والإقليمي للمناطق، مجسداً لغة تصميمية عولمية تجعل المقهى في طوكيو لا يختلف في ملامحه عن آخر في لندن أو دبي.

ومع ذلك، تظل الواقعية الاقتصادية بالنسبة للأعمال التجارية حاسمة ومطلقة؛ فالعنصر البصري الصارخ والجذاب القابل للمشاركة الرقمية يمكنه جذب حركة زوار وإقبال يفوق ما قد يحققه نجم Michelin أو عقد إيجار في موقع تجاري فريد.

وطالما بقيت وسيلتنا الأساسية لمشاركة أين نكون وماذا نأكل مرهونة بالتغذية الطولية للصور، سيستمر عالمنا المادي في الانحناء نحو الضوء ليعيد هندسة الواقع ليبدو في أبهى صورة داخل الشبكة الرقمية.