في جلسة امتزج فيها عبق الماضي بصوت البحر وذاكرة المكان، نظمت دائرة الثقافة بالشارقة – إدارة المنطقة الشرقية، صباح الأربعاء، في مجلس كلباء الأدبي، جلسة حوارية بعنوان «الشاعر والبحار حميد بن منصور، مبدع النهمة البحرية»، بمشاركة الدكتور سعيد مبارك الحداد، وبحضور راشد محمد الزعابي، مدير إدارة دائرة الثقافة بالمنطقة الشرقية، إلى جانب نخبة من المثقفين والمهتمين بالشعر والأدب والتراث، وعدد من موظفي المؤسسات.
وجاءت الجلسة لتفتح نافذة على جانب ثري من الذاكرة البحرية الإماراتية، وتستعيد سيرة أحد الأصوات التي حملت في أشعارها ونهماتها حكايات البحر والبحارة، ضمن سلسلة البرامج الثقافية والشعرية التي تنفذها الدائرة بهدف تعزيز الحراك الثقافي والمعرفي، والاحتفاء برموز الموروث الإماراتي الذين أسهموا في حفظ الذاكرة الشعبية ونقل تفاصيلها وقيمها إلى الأجيال.
واستهل الإعلامي عبدالله أحمد الجلسة بكلمات ترحيبية بضيوف الجلسة وتقديم الدكتور سعيد مبارك الحداد، مستعرضاً جانباً من مسيرته العلمية والثقافية واهتمامه بالتاريخ والآثار والتراث الشعبي الإماراتي، وإسهاماته في البحث والتوثيق، ومؤلفاته ودراساته التي سعت إلى قراءة الموروث المحلي وحفظ تفاصيله، ولا سيما ما يرتبط بمدينة كلباء والمنطقة الشرقية.
وأبحر الدكتور سعيد الحداد بالحضور في سيرة الشاعر والبحار حميد بن منصور، متوقفاً عند مكانته في ذاكرة الشعر الشعبي والتراث البحري، والمحطات الحياتية والتجارب التي شكّلت رؤيته وذاكرته المكانية والشعرية، حيث كان البحر حاضراً في تجربته بوصفه مكاناً للحياة والعمل والرزق، وفضاءً للحنين والحكاية والشعر.
وتناولت الجلسة النهمة البحرية باعتبارها صوتاً ارتبط بإيقاع حياة البحارة، ورافق رحلاتهم وتعبهم وأحلامهم، حاملةً في ألحانها وكلماتها ملامح مرحلة راسخة في الوجدان الإماراتي. كما سلط الحداد الضوء على أثر أشعار حميد بن منصور ونهماته في حفظ جانب من الهوية البحرية، وما تزخر به تجربته من صور شعرية ومفردات بحرية تستحضر تفاصيل المكان وعلاقة الإنسان الإماراتي بالبحر.
وتوقف الحداد عند البناء الموسيقي والأوزان المستخدمة في أغاني حميد بن منصور وأشعاره، وخصوصية مفرداته البحرية، وما تحمله قصائده من دلالات وصور تنقل إلى المتلقي رائحة البحر وصوت الموج وذاكرة الرحلات القديمة، لتغدو الكلمة الشعرية شاهداً حياً على حياة مجتمع ارتبط البحر بتفاصيل يومه ووجدانه.
وناقشت الجلسة سبل توثيق هذا الإرث الشعري والفني واستدامته، وأهمية نقله إلى الأجيال الجديدة بأساليب تحفظ أصالته وتعيد تقديمه في قوالب ثقافية ومعرفية معاصرة، بما يعزز حضور التراث البحري في الذاكرة المجتمعية، ويصون ما يحمله من قيم ومفردات وحكايات تشكل جزءاً أصيلاً من الهوية الإماراتية.
وأكدت الجلسة أن حفظ التراث لا يقتصر على استعادة تفاصيل الماضي، بل يمتد إلى إحياء الذاكرة ومنحها مساحة جديدة في وجدان الأجيال، وأن توثيق تجارب الشعراء والبحارة والرواة يمثل جسراً يصل الحاضر بجذوره، ويحفظ للمكان حكايته وللإنسان ذاكرته.