ليس الشعر لدى المبدع تدويناً عابراً للعاطفة أو وصفاً لظاهر الأشياء، بل رحلة شاقة في غياهب الذات واللغة. ولعل أصعب الشعر ذلك الذي يتخذ من الشعر نفسه موضوعاً، فيجعل فعل الإبداع قضية القصيدة ومحور تأملها. هذا ما يفعله الشاعر الإماراتي طلال سالم، إذ ينقل المتلقي إلى اللحظة الخفية التي تولد فيها القصيدة، حيث لا يبدو الشاعر سيد اللغة بقدر ما يبدو في مواجهة معها. ومنذ المطلع، يؤسّس سالم لهذه الفلسفة عبر ثنائية المحو والتأسيس:
مَا زَالَ يَمْسَحُ أَحْلَاماً وَيَكْتُبُهَا
يَخُطُّ حَرْفاً وَيَأْتِي الْحَرْفُ يُلْغِيهِ
تتوالى الأفعال المضارعة: «يمسح، يكتب، يخط، يأتي، يلغي»، فتمنح التجربة حركة دائمة لا تعرف الاستقرار. والتتابع هنا لم يكن مجرد بناء إيقاعي، إنه تجسيد لمعاناة الكتابة بوصفها فعلاً مستمراً من الخلق والنقض؛ فما إن يتشكل الحرف حتى يأتي آخر ليمحوه. وتعمق المقابلة بين «يمسح» و«يكتب»، وبين «يخط» و«يلغي» هذا الصراع المحتدم بين الرغبة في تثبيت المعنى والخوف من ألا يكون قد بلغ صورته المثلى. وتتخذ هذه المكابدة بعداً وجودياً حين يقول:
يُجَرِّدُ الْعُمْرَ يَنْسَى كُلَّ أُمْنِيَةٍ
يُخَنِّقُ الْوَهْمَ فِي رُوحٍ وَيُحْيِيهِ
هنا لا يعود الإبداع مجرد صناعة فنية، بل عملية صهر للذات نفسها. فالشاعر يتجرد من العمر والأمنيات ليمنح القصيدة ما تبقى من روحه، في حين يكشف اختيار «يخنّق» بصيغته الصرفية عن كثافة الفعل وتكراره، بما ينسجم مع فكرة الاستمرارية التي تحكم النص، وكان في وسع الشاعر أن يقول «ويخنق»، لكنه اختار الصيغة التي تمنح الفعل إيحاء التكثير، مؤكداً أن الاختيار اللغوي شريك في بناء الدلالة. ثم تبلغ مأساة الكتابة ذروتها في صورة الطائر الذي يُغتال قبل أن يكتمل تحليقه:
وَكُلَّمَا رَفَّ طَيْرٌ فِي قَصِيدَتِهِ
تَصِيدُهُ طَلْقَةٌ أُخْرَى وَتُرْدِيهِ
فالطير هنا صورة لدفقة الإلهام، لكن القصيدة لا تسمح لها بالتحليق طويلاً؛ إذ تتربص بها «طلقة أخرى». والجملة الشرطية «كلما... تصيده» تجعل الفشل متكرراً، بينما تختزن كلمة «أخرى» إحالة إلى محاولات سابقة لم تُذكر، وكأن كل ولادة شعرية تستدعي بالضرورة موت صورة أخرى.
وفي قوله:
يَمُوتُ فِي نَايِهِ حُزْنٌ يُسَمِّمُهُ
وَكُلَّمَا جَاوَرَ الْمَعْنَى يُجَافِيهِ
يستعير الشاعر الناي بما يحمله من نبرة حزينة، ليتحول الصوت إلى وعاء للحزن والسم، فيما يصبح المعنى كائناً مراوغاً، كلما اقترب منه الشاعر ابتعد عنه. وهنا تتجلى إحدى أكثر مفارقات القصيدة عمقاً، أن الشعر محاولة دائمة لبلوغ المعنى، وأن المعنى، في اللحظة ذاتها، يمارس عصيانه على الشعر، وتكتمل صورة الصراع الداخلي في قوله:
لَا شَيْءَ فِي جَلْسَةِ السُّمَّارِ يَشْغَلُهُ
يُقَاتِلُ الْفِكْرَةَ الْأُخْرَى وَتَنْفِيهِ
فالمعجم الحربي، في «يقاتل» و«ينفي»، يحوّل المخيلة إلى ساحة معركة، ويجعل القصيدة مواجهة لا تهدأ بين الأفكار والصور والبدائل، ويمنح هذا الصراع النص بعداً إنسانياً يتجاوز حِرفة القول؛ فالشاعر يواجه اللغة وذاكرته وتوقعاته معاً، وتغدو الكتابة اختباراً للذات، لا يطمئن فيه المبدع إلى أول عبارة أو آخر معنى.
بهذا، لا يكتب طلال سالم قصيدة عن الشعر فحسب، لكنه يكشف آلية ولادته ومحنته؛ فالشعر عنده ليس قطفاً لثمرة ناضجة، وإنما اغتراب دائم، وصراع أزلي بين الرغبة في التعبير وحتمية المحو.