القاهرة ــ البيان
لم يعد الذكاء الاصطناعي ضيفاً جديداً على مهنة الترجمة، بل أصبح شريكاً حاضراً في تفاصيلها اليومية. ففي دقائق قليلة، تستطيع الأنظمة الذكية نقل نصوص كاملة بين اللغات، واقتراح المصطلحات، وإعادة صياغة الجمل، والتعامل مع نصوص متخصصة بدرجات متفاوتة من الدقة.
لكن هذا الحضور المتسارع يطرح سؤالاً يزداد إلحاحاً: هل تتجه الترجمة إلى عصر تستغني فيه عن الإنسان، أم أن دور المترجم يعاد تشكيله بصورة جديدة؟
ترى الأكاديمية والباحثة والمترجمة المتخصصة في دراسات الترجمة والأدب الإنجليزي والنقد الأدبي د. دينا عبد الرحمن، في تصريحات خاصة لـ «البيان»، أن الترجمة لم تعد مجرد عملية نقل لغوي، بل أصبحت جزءاً من صناعة المعرفة، وصناعة الحضور الثقافي. معتبرة أن الذكاء الاصطناعي، رغم ما يثيره من مخاوف بشأن مستقبل المهنة، يمكن أن يمثل فرصة لإعادة تعريف دور المترجم، مضيفة: «لم يعد يقف على أبواب مهنة الترجمة، منتظراً الإذن بالدخول، بل دخل بالفعل وجلس إلى جوار المترجم، وبدأ يشاركه بعض المهام». وأوضحت أن هذه التحولات لا تعني نهاية المترجم، وإنما تكشف عن مرحلة جديدة، تتغير فيها طبيعة العمل الترجمي.
ما الذي لا تجيده الآلة؟
تمتلك الآلة قدرة كبيرة على معالجة النصوص، ونقل المعاني الظاهرة بسرعة هائلة، لكنها لا تقرأ النص بالطريقة نفسها التي يقرأه بها الإنسان. فالترجمة، بحسب د. دينا عبد الرحمن، ليست بحثاً عن مقابل لغوي فحسب، وإنما هي فعل قراءة وتأويل واختيار.
ويبرز هذا الفارق بصورة أوضح في الترجمة الأدبية، التي تعد من أكثر المجالات تحدياً للذكاء الاصطناعي، لأنها لا تنقل الكلمات وحدها، وإنما تنقل الإيقاع والصور والدلالات والأثر النفسي والجمالي للنص الأصلي.
وتحذر د. دينا عبد الرحمن من النظر إلى العلاقة بين المترجم والذكاء الاصطناعي بوصفها علاقة صراع أو منافسة، مؤكدة أنها علاقة تكامل، تتوزع فيها الأدوار وفق قدرات كل طرف.
فالأنظمة الذكية أصبحت قادرة على المساعدة في البحث عن المصطلحات، والتحقق من بعض الاستخدامات اللغوية، واقتراح صيغ أولية للجمل، وترجمة العبارات المباشرة والتراكيب الثابتة، وهو ما يختصر الوقت والجهد، ويمنح المترجم مساحة أكبر للتركيز على الجوانب الأكثر تعقيداً وإبداعاً.
قد يتحول المترجم الأدبي مستقبلاً من ناقل أول للنص، إلى قارئ ناقد ومراجع ومؤوّل، لكن هذا التحول لا ينتقص من أهميته، بل يزيد مسؤوليته عن سلامة المعنى وجودة الأسلوب، واكتشاف ما قد تفوّته الآلة من إيحاءات وسياقات ثقافية ودلالات خفية.
وبحسب د. دينا عبد الرحمن، ستظل المراجعة البشرية ضرورة لا غنى عنها لضبط النص النهائي، وتصحيح الأخطاء، وحسم الاختيارات الأسلوبية، فضلاً عن الحفاظ على روح النص وخصوصيته الثقافية.
مترجم الغد
المعادلة المقبلة، كما تراها د. دينا عبد الرحمن، تقوم على التكامل لا الإحلال، فالتكنولوجيا ستكون أكثر حضوراً في البحث والتحليل وإنتاج المسودات الأولية، بينما يظل الإنسان مسؤولاً عن القراءة العميقة، والتأويل وإعادة الصياغة.
وتضيف أن المترجم الذي يكتفي بالنقل الحرفي، قد يواجه تحديات أكبر، في حين تزداد قيمة المترجم القادر على الجمع بين المعرفة اللغوية والأدبية، والوعي بالتقنيات الحديثة. غير أن مستقبل الترجمة، حسب رأيها، لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، بل يتصل بسؤال ثقافي أوسع: ماذا نترجم، وإلى أين نترجم، ولماذا؟.
وترى أن الترجمة العربية ينبغي أن تتحرك في اتجاهين متوازيين، نقل الفكر والأدب والعلوم إلى العربية، والعمل في الوقت نفسه على إيصال الأدب والفكر العربي إلى لغات العالم، حتى لا تبقى الثقافة العربية مستقبِلة للمعرفة فقط، بل شريكاً في إنتاجها وصياغة الحوار الثقافي العالمي.
وفي النهاية، لا تبدو المسألة، كما تؤكد د. دينا عبد الرحمن، مرتبطة بما إذا كانت الآلة ستحل محل المترجم، بقدر ما تتعلق بكيفية توظيف التكنولوجيا لخدمة الترجمة، وتحويلها إلى مشروع أوسع لصناعة المعرفة، وبناء الجسور الثقافية، وإيصال الصوت العربي إلى العالم.