حين يدخل المبدع إلى الفصل الدراسي يحمل المعرفة، ومعها أيضاً حساسيته تجاه الإنسان، وقدرته على الإصغاء إلى التفاصيل، واكتشاف ما يختبئ خلف الملامح والكلمات، فهناك بين مقاعد الطلبة ودفاترهم وأسئلتهم الأولى تتحول مهنة التعليم من أداء وظيفي إلى تجربة إنسانية عميقة، يتقاطع فيها بناء الإنسان مع بناء الموهبة، وتتجاور فيها المعرفة مع الخيال.

وفي مسيرة عدد من المبدعين الإماراتيين لم تكن تجربة التدريس محطة عابرة أو فصلاً مهنياً منفصلاً عن الإبداع، بل تركت أثرها في رؤاهم، وصقلت أدواتهم، ووسّعت قدرتهم على قراءة الإنسان والحياة، فمن الفصل الدراسي استلهم بعضهم قيمة الإصغاء والصبر، ومن التعامل مع الأطفال والناشئة اكتشف آخرون أن الموهبة قد تختبئ خلف تردد عابر أو سؤال صغير، وأن مهمة المعلم لا تبدأ بإعطاء الإجابة، بل بفتح الطريق أمام الطالب كي يعثر على صوته الخاص.

وبمناسبة «يوم المعلم» تستعيد «البيان» تجارب مبدعين إماراتيين خاضوا غمار التعليم، لتتوقف عند تلك المنطقة، التي يلتقي فيها المعلّم بالمبدع، وتضيء على كيفية إسهام سنوات التدريس في تشكيل رؤاهم ومساراتهم الإبداعية، وكيف يمكن للمعلّم، حين يتحول من ناقل للمعرفة إلى صانع للثقة ومحفّز للخيال، أن يصبح شريكاً في اكتشاف مواهب الغد، وصناعة جيل جديد، يمتلك القدرة على تحويل المعرفة إلى فكرة وابتكار وأثر.

عارف الشيخ

وفي هذا السياق أكد الشاعر والأديب الدكتور عارف الشيخ أن رسالة التعليم لا تقتصر على تلقين المعارف ونقل العلوم فحسب، بل تُعد الركيزة الأساسية في صناعة الإنسان، واستخراج مكامن الإبداع والتميز لدى الأجيال القادمة.

وأوضح الدكتور عارف، في حديث تناول خلاله محطات مفصلية من مسيرته مع مهنة التعليم عام 1977 في بدايات قيام دولة الإمارات، أنه كان المعلم المواطن الوحيد في المعهد الديني الثانوي في تلك المرحلة.

مشيراً إلى أنه واجه في البداية ثقافة سائدة ترى أن دور المواطن يقتصر على المناصب الإدارية والتنفيذية دون مهنة التعليم، مبيناً أن هذه الرؤية لم تزده إلا إصراراً على مواصلة مشواره التربوي، إيماناً منه بأهمية تعليم أبناء الوطن بيد أبنائه، وإثبات أن خدمة المجتمع تبدأ من الفصل الدراسي.

وأضاء على تجربته في مواجهة العديد من التحديات الميدانية والتربوية في بداية مشواره، كظاهرة الغش في الامتحانات، التي اتخذ منها موقفاً تربوياً حازماً برفض الاستهانة، لافتاً إلى أن ذلك أحدث أثراً إيجابياً لدى الطلاب، وجعلهم يدركون قيمة الجهد والشرف العلمي، حتى أقبلوا بحرص واجتهاد على المذاكرة، والاستعداد الجاد للتعليم.

وحول طبيعة العلاقة التي تجمع المعلم بطلابه شبّه الدكتور عارف الشيخ دور المربّي بالمزارع الذي يرعى أشجاره في حديقته، مؤكداً أن الشباب والناشئة يملكون طاقات وقابلية كبيرة للتوجيه والتقويم، متى ما وجدوا القدوة الحسنة والمعلم المخلص، الذي يجمع بين اللين والحزم في آن واحد.

وفي سياق حديثه عن كيفية الانتقال بالعملية التعليمية من مرحلة الحفظ إلى أفق الابتكار والإبداع شدد على التفريق بين نمطين من المعلمين: النمط الأول يقتصر على أداء الوظيفة للحصول على الراتب الشهري، والنمط الآخر يدرك مسؤوليته الوطنية والقومية في إعداد قادة المستقبل، وتزويدهم بمهارات البحث والاعتماد على الذات وفق مبدأ «تعليم الصيد بدلاً من إعطاء السمكة».

واختتم الشاعر والأديب الدكتور عارف الشيخ تصريحه بالتأكيد على أن كل طفل يولد ومعه بذرة موهبة تُشبه «النار الخامدة تحت الرماد»، مشدداً على أن واجب المعلم والمؤسسة التعليمية هو اكتشاف هذه المواهب، وتعهدها بالرعاية والتطوير، تماماً كالصانع الذي يحوّل الخامات الجافة إلى قطع فنية نافعة، مضيفاً أن المكتبات المليئة بالكتب والقراءة المجردة لا تحقق أهدافها السامية ما لم تُترجم إلى مخرجات إبداعية واجتهادات عملية، تخدم حركة التطور والابتكار في العالم المعاصر.

بصمة عميقة

من جانبها أكدت الكاتبة شيخة الناخي أن تجربة التدريس تركت بصمة عميقة في رؤيتها الإبداعية؛ إذ قرّبها التعليم من الإنسان في بواكير مراحل تكوينه ونشأته، وأتاح لها التأمل في تنوع الشخصيات، وتباين الأفكار والمشاعر والتطلعات، مشيرة إلى أن تلك المعايشة اليومية كانت رافداً ثرياً، يغذي تجربتها الأدبية.

وأوضحت الناخي أن مهنة التدريس علّمتها فن الإصغاء، وفضيلة الصبر، ومهارة النظر إلى ما وراء الظاهر، وغرست فيها إحساساً عميقاً بالمسؤولية تجاه الكلمة وأثرها في المتلقي، مبينة أنه من هذا المنطلق انحازت كتاباتها الإبداعية في كثير من نصوصها إلى الإنسان وقيمه وعلاقاته وتحولاته، إضافة إلى التفاصيل الصغيرة، التي تبدو عابرة بينما تكمن في داخلها حكاية ومعنى.

وشددت على حرصها الدائم ألا تكون الكتابة الأدبية امتداداً مباشراً لدور المعلم؛ إذ ترى أن الأدب لا يُلقّن القارئ، بل يفتح أمامه نوافذ التأمل والتساؤل، مضيفة أن أجمل ما وهبها إياه التعليم هو معرفة كيفية الوصول إلى الإنسان، ليأتي الأدب بعد ذلك ويمنحها فضاء أرحب لمخاطبة عقله ووجدانه معاً.

شيخة الناخي

وأشارت شيخة الناخي إلى أن علاقتها اليومية بالطالبات والناشئة مثلت نافذة واسعة، أطلت منها على عوالم متجددة من الأفكار والمشاعر والأحلام، وذكرت أنها لم تكن في تلك العلاقة معلمة أو مديرة فحسب، بل كانت تتعلم منهن بقدر ما تعلمهن، وتكتشف من خلال أسئلتهن وتطلعاتهن كيف تتغير الحياة، وكيف تتشكل نظرة الأجيال الجديدة إلى العالم.

وأكدت أن هذه العلاقة تعد ركيزة أساسية، أتاحت لها الاطلاع المستمر على رؤى الجيل الجديد، مشيرة إلى أن الدور الإشرافي لم يقتصر على التعليم والإدارة، بل تمثل في عملية تعلُّم متبادل وتطوير مستمر، منوهة بأن هذه التجربة منحتها اهتماماً كبيراً بالإنسان، وتفاصيل حياته الصغيرة، وعلمتها الاقتراب منه، والإصغاء إلى همومه وأحزانه، وفهم معاناته ومشكلاته، وهي قيم انعكست بصورة واضحة في كتاباتها؛ إذ إن الإبداع كثيراً ما يبدأ من ملاحظة عابرة أو موقف إنساني أو سؤال بريء يفتح أمام الكاتب أفقاً جديداً.

ولفتت الناخي إلى أن سنوات التعليم والإدارة لم تكن مرحلة مهنية منفصلة عن تجربتها الإبداعية، بل كانت جزءاً أصيلاً منها أغناها إنسانياً، ووسّع رؤيتها للحياة، وجعلها أكثر وعياً بمسؤولية الكلمة، وقدرتها على ترك أثر جميل في الإنسان.

وعلى صعيد متصل شددت شيخة الناخي على أن دور المعلم المبدع لا يقف عند حدود نقل المعرفة، بل يبدأ منها لينتقل إلى اكتشاف ما يعتمل في نفوس طلابه من مواهب وطاقات، موضحة أن المعلم القريب من تلامذته يستطيع، من خلال الحوار والملاحظة والتشجيع، أن يكتشف ميولهم، ويمنحهم الثقة والمساحة للتعبير والتجربة.

وأضافت، من واقع تجربتها، أن الموهبة كثيراً ما تحتاج إلى عين تكتشفها، وكلمة تؤمن بها، وفرصة تتيح لها أن تظهر وترى النور.

ورأت أن من أجمل أدوار المعلم أن يفتح أمام الطالب أبواب القراءة والكتابة والتفكير والخيال، وألا يفرض عليه طريقاً واحداً، بل يساعده على اكتشاف صوته الخاص.

واختتمت الكاتبة شيخة الناخي حديثها بالإشارة إلى أنه حين يتحول التعليم من التلقين إلى الإلهام، ومن إعطاء الإجابات إلى إثارة الأسئلة، يصبح المعلم شريكاً حقيقياً في صناعة جيل جديد من المبدعين؛ جيل يملك المعرفة، ويملك معها أيضاً القدرة على التفكير والابتكار، وصناعة أفكاره بنفسه.

مرحلة مفصلية

عبد الرحيم سالم

من جهته أكد الفنان التشكيلي عبد الرحيم سالم، رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، أن تجربته في مجال التعليم شغلت مرحلة مفصلية في مسيرته عقب التخرج، مشيراً إلى أنه على الرغم من تخصصه الأكاديمي المحض، وخلو دراسته من الجانب التربوي، فإن البدايات شهدت تحديات وصعوبات في آلية التعامل مع الطلبة، موضحاً أنه تجاوز تلك العقبات بالقراءة والاطلاع المستمر على التجارب والنماذج التعليمية الحديثة، ما أتاح له الاستفادة الكاملة من هذه التجربة.

وأشار إلى أنه تعامل مع الأطفال بكونهم فئة قادرة على التعبير عن مشاعرها وإحساسها بوعي كبير، داحضاً التصور السائد بقلة إدراك الطفل، ومبيناً أن الطفل يملك قدرة عالية على نقل إحساسه الخاص.

وعن أحد المواقف المؤثرة في بداياته مع طلاب الصف الأول ذكر عبد الرحيم سالم أنه لاحظ بكاء بعض الأطفال عند مطالباتهم بالرسم بشكل منفرد، موضحاً أنه اكتشف لاحقاً أن المساحة البيضاء الشاسعة للورقة تُشكّل رهبة لدى الطفل في البداية، ما دفعه إلى اعتماد استراتيجية التدرج، فبدأ بتدريبهم ضمن مجموعات على ورقة واحدة، ثم تقليل الأعداد تدريجياً حتى وصل كل طفل إلى القدرة على الرسم بمفرده وثقة تامة.

وأكد أن الانتقال الأهم في مسيرته التعليمية كان المشاركة مع نخبة من التربويين والموجهين في إعداد وتأسيس منهج متكامل للتربية الفنية، لافتاً إلى أن المادة كانت تفتقر سابقاً إلى منهج محدد، يراعي المراحل العمرية والتدرج في التعليم، وكان التركيز ينصبّ على منح الطلبة موضوعات محددة فقط دون تعليمهم الكيفية والأدوات، ما أدى إلى نوع من الفجوة بين المعلم والطالب.

وشدد على أن المنهج صُمم لإعادة الصياغة بناء على كيفية فهم الطفل وإدراكه، مع تحويل دور معلم التربية الفنية من دور ثانوي كان يُختزل في تجميل جدران المدرسة إلى شخص مؤثر، يقدم مادة دراسية لها نصابها وحضورها كبقية المواد الأساسية.

وأوضح أن العمل مع الأطفال عمّق لديه فهم الجانب الإنساني في الفن، وأن التعامل مع اللوحة يتشابه تماماً مع التعامل مع الطفل، مبيناً أن كليهما يتطلب سعة صدر ومعرفة والتقاء، يفتح آفاقاً واسعة للابتكار والتعبير، مشيراً إلى أن هذه المرحلة أثرت بشكل مباشر في كيفية تعامله مع الأشكال والألوان وتكوين اللوحة.

واختتم الفنان التشكيلي عبد الرحيم سالم حديثه بتوجيه رسالة إلى الكوادر التدريسية والشباب المبدعين، مؤكداً أن التعليم ليس مجرد وظيفة، بل رسالة وطنية وإنسانية سامية، داعياً المعلمين إلى التحلي بالصبر، والسعي لتقديم أفضل ما لديهم لبناء أجيال جديدة بوعي وثقافة عالية.