في قصيدة «أهزوجة الخلاص»، تستدعي الشاعرة الإماراتية نجاة الظاهري التراث الشعبي لا بوصفه ماضياً منقضياً، ولا تستعين بمفرداته لمجرد إضفاء مسحة محلية على النص، وإنما تعيد تشكيل عناصره داخل بنية شعرية حديثة، بحيث يغدو البحر والنهمة والسفن والأشرعة والصواري علامات حية في ذاكرة تتجاوز المكان إلى الوجدان، ومن هنا تأتي قيمة التجربة في قدرتها على تحويل الموروث من مادة للوصف إلى طاقة للتخييل والتعبير.

وتبدأ الشاعرة من صورة تفتح أمام المتلقي أفقاً لا يكاد يرى فيه شيئاً سوى البحر؛ فحذف المسند إليه في مطلع الصورة يمنحها اتساعاً وإيحاءً، ويجعل البحر يبدو كأنه يملأ الفضاء كله، حتى تتلاشى الحدود بين المشهد الخارجي والعالم الداخلي للشاعرة، وتصبح الأفكار نفسها جزءاً من هذا الامتداد المائي المفتوح. هذه الهيمنة البصرية لا تُشرح فقط، بل تستكمل معناها حين تقول:



بَحْرٌ وَتُخْطَفُ فِي الْمَدَى أَفْكَارِي

وَغَشَتْنِيَ النَّهْمَاتُ مِثْلَ بُخَارِ



ومن البحر، تنتقل نجاة إلى «النهمات»، لتمنح الصوت هيئة مادية تكاد تُرى وتُلمس. فالنهمة، باعتبارها فناً غنائياً بحرياً، لا تبقى صوتاً مسموعاً، بل تتحول عبر التشبيه إلى «بخار» يحيط بالشاعرة ويغمرها. وهنا تتداخل الحواس، فيغدو السمع مرئياً، والمسموع ملموساً، وكأن المتلقي يشارف حالة غرق في فضاء الطرب البحري.



ثم يتسع المشهد ليجمع بين حركتي الصوت السفن في لقطة واحدة؛ فالنهمة تبدو كأنها تحث المراكب على المضي، بينما تُكسب صفة «الكبيرة» السفنَ ضخامتها، قبل أن تأتي الإضافة الأخيرة لتكشف أن هذه الصورة العجيبة لا تنتمي إلى الواقع الراهن، بل إلى «بركة» من نوع آخر: بركة الذاكرة. ويأتي البيت ليضع القارئ أمام هذا المشهد المتخيل:



«يَامَالُ».. وَالسُّفُنُ الْكَبِيرَةُ غُمِّسَتْ

بِخَفَائِهَا فِي بِرْكَةِ التَّذْكَارِ



وهنا يتحول التراث إلى ذاكرة متحركة، تستعيد حياة البحر كما استقرت في الوجدان، لا كما تبدو في الواقع. ولذلك تأتي صورة الرمال والأشرعة والصواري بوصفها امتداداً لهذا الحنين؛ فأهزوجة الشاعرة لا تغادر المكان، لكنها أيضاً لا تستقر فيه، بل تمتد في فضاء الخيال، حيث العجاج حركة، والصواري صمت، والماضي حضور مستعاد:



أُهْزُوجَةٌ تَمْتَدُّ فِي رَمْلِ الْخَيَا

لِ عَجَاجَ أَشْرِعَةٍ وَصَمْتَ صَوَارِي



وإذا كان التراث قد منح القصيدة مفرداتها، فإن الذاكرة تمنحها معناها الأعمق. ويبلغ هذا التداخل ذروته حين تجعل الشاعرة اللحن نفسه قابلاً «للتحميض»، فتستعير من عالم التصوير فعلَه لتحوّل الصوت إلى صورة تستقر في الصدر. عندها لا تعود الذكرى استحضاراً للماضي فحسب، بل عملية كشف لما يخفيه القلب من حزن:



ذِكْرَى تُحَمِّضُ صُورَةً لِلَّحْنِ فِي

صَدْرِي لِتَفْضَحَ حُزْنِيَ الْمُتَوَارِي



وتكشف هذه المعالجة أن الرمز التراثي في القصيدة لا يعمل منفرداً، بل يتآزر مع الإيقاع والصورة والاستعارة، لتتحول مفردات البيئة البحرية إلى إشارات ذات أبعاد نفسية، تستحضر الماضي وتعيد بناء أثره العاطفي في وعي الشاعرة والقارئ في الوجدان الراهن.

وبهذا السبك المتدرج، تنجح نجاة الظاهري في إقامة جسر بين المرجعية التراثية وحداثة التعبير، فتستعيد عناصر البحر لا لتوثيقها، وإنما لإطلاق طاقتها الشعرية. وهكذا يصبح الموروث في «أهزوجة الخلاص» صوتاً للذاكرة، وصورة للحنين، ومرآة لوجدان يواصل الإصغاء إلى البحر حتى بعد أن يغيب صوته.