لا يولد الوعي من الطمأنينة دائماً، أحياناً يبدأ حين تهتز الفكرة التي ظنناها ثابتة، وحين نكتشف أن ما كنا نسميه "حقيقة" لم يكن إلا عادة طويلة، أو جواباً ورثناه من غير أن نمتحنه. هذا ما يمكن أن نسميه عدم الاستقرار المعرفي: تلك اللحظة التي يفقد فيها العقل اتزانه القديم، لا لأنه ينهار، بل لأنه يستعد لأن يرى أبعد، فالإنسان لا يتعلم حين يكرر ما يعرفه، بل حين يصطدم بما لا يعرف كيف يفسره.
جذور فلسفية
منذ «سقراط»، لم يكن التفكير الحقيقي إقامة آمنة داخل اليقين، بل خروجاً دائماً إلى السؤال. ففي محاورة «الدفاع» لـ«أفلاطون»، تُنسب إلى سقراط عبارته الشهيرة: "الحياة غير الممتحنة لا تستحق أن تُعاش"، وهي عبارة تجعل مساءلة الذات شرطاً لمعنى الحياة، لا ترفاً عقلياً.
ومن هنا يصبح عدم الاستقرار المعرفي علامة حياة في العقل، لا علامة خلل فيه. فالإنسان الذي لا يشك في شيء، ولا يراجع شيئاً، ولا يسمح لسؤال غريب بأن يربك يقينه، لا يكون أكثر حكمة بالضرورة، بل ربما يكون أكثر انغلاقاً.
استفزاز منتج
الاستفزاز الفكري ليس وقاحة في القول، ولا رغبة في إثارة الناس لمجرد الإثارة، بل هو فعل إيقاظ. سؤال يوضع في المكان غير المتوقع، ليكشف أن المكان نفسه لم يكن آمناً كما نظن. فكرة تقلق الساكن فينا، لا لتكسره، بل لتدعوه إلى الحركة، وقد جعل «كارل بوبر» النقد شرطاً لنمو المعرفة، فالأفكار العلمية، في تصوره، لا تتقدم لأنها محصنة من الخطأ، بل لأنها تقبل الاختبار ومحاولات التفنيد.
راحة مضللة
أخطر ما يصيب العقل ليس الجهل وحده، بل الاطمئنان المفرط إلى المعرفة، فالجاهل قد يسأل، أما المتيقن أكثر مما ينبغي فقد أغلق الباب من الداخل، يظن أنه يرى العالم، بينما هو في الحقيقة يرى صورة قديمة للعالم معلقة في ذهنه، فنحن نحب الأفكار التي تشبهنا، ونطمئن إلى الآراء التي تربّت على أكتافنا، ونخاف من السؤال الذي لا يجامل ذاكرتنا، لكن المعرفة لا تتقدم بالمجاملة، إنها تحتاج أحياناً إلى من يربكها، ويوقظها، ويقول لها: ماذا لو كان كل هذا ناقصاً؟
زمن التشويش
وتزداد الحاجة إلى هذا القلق المعرفي اليوم في عالم تتدفق فيه الأخبار والآراء بلا توقف، فبحسب مركز «بيو» للأبحاث، يحصل نحو خُمس البالغين الأمريكيين أو أكثر بانتظام على الأخبار من منصات مثل «فيسبوك» و«يوتيوب» و«إنستغرام» و«تيك توك»، ما يجعل الشك الواعي مهارة يومية لا ترفاً ثقافياً.
وفي تقرير للمركز نفسه، قال واحد من كل خمسة بالغين أمريكيين إن التشكك أو القدرة على التمييز من صفات مستهلك الأخبار الجيد. لذلك لم يعد السؤال: ماذا نعرف؟ بل: كيف نعرف أن ما نعرفه يستحق الثقة؟
عقل متحرك
ليس كل اضطراب خطراً، هناك اهتزاز يشبه الزلزال، وهناك اهتزاز يشبه نبض الحياةـ وعدم الاستقرار المعرفي من النوع الثاني حين يكون واعياً ومنظماً، فهو لا يدعو إلى الفوضى، بل إلى مراجعة البديهيات، ولهذا بدأت مؤسسات التعليم تنظر إلى التفكير خارج المسار المألوف بوصفه مهارة أساسية، فقد قيّمت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في نتائج «بيزا 2022»، قدرة الطلاب على التفكير الإبداعي وعرّفته بأنه القدرة على إنتاج أفكار أصلية ومتنوعة وتقييمها وتحسينها.
لكن يجب التمييز بين الاستفزاز الفكري والاستفزاز الفارغ، فالأول يفتح معنى، والثاني يطلب انتباهاً. الأول يربكك ثم يترك في يدك سؤالاً، والثاني يربكك ثم يتركك في فراغ، وكم من خطاب يزعم الجرأة وهو لا يفعل سوى كسر الذوق، وكم من فكرة تُباع بوصفها "صادمة"، لكنها لا تحمل سوى رغبة في الظهور.الاستفزاز الحقيقي ليس رفع الصوت، بل رفع مستوى السؤال.
شجاعة المراجعة
نحتاج إلى شجاعة من نوع نادر: شجاعة أن نسمح لفكرة جديدة بأن تربكنا، وأن نؤجل الرد قليلاً، وأن نسأل أنفسنا قبل أن نهاجم: لماذا أزعجتني هذه الفكرة؟ هل لأنها باطلة، أم لأنها لمست شيئاً أخاف الاعتراف به؟
في كثير من الأحيان، يكون انزعاجنا الأول ليس دليلاً على خطأ الفكرة، بل دليلاً على أنها اقتربت من منطقة حساسة في وعينا، وهنا يبدأ التفكير الحقيقي: لا عند الإجابة السريعة، بل عند الصمت الذي يلي السؤال الصعب، وعدم الاستقرار المعرفي ليس مرضاً في العقل، بل علامة على أنه ما زال قابلاً للنمو، والاستفزاز الفكري ليس عدواً للطمأنينة، بل عدو للجمود، فحين تهتز أفكارنا، لا يعني ذلك أننا فقدنا الطريق، ربما يعني أننا بدأنا نراه للمرة الأولى.