تحت أضواء محطة باترسي للطاقة جنوب غرب لندن، يخرج الفرعون الأكثر طموحا وتضخما للذات في تاريخ مصر القديمة من ظل "توت عنخ آمون"، ليُعلن عن حضوره الطاغي في معرض جديد بعنوان "رمسيس وذهب الفراعنة"، المعرض الذي يضم كنوزاً من المتحف المصري بالقاهرة، لا يقدم مجرد آثار، بل يقدم سيرة ملك سخر كل شيء لتخليد "علامته التجارية" الشخصية، في تقاطع مثير للدهشة مع أساليب الدعاية السياسية المعاصرة.

قبضة السلطة من وراء القبر

تعد مومياء رمسيس الثاني، الذي حكم مصر لـ 66 عاماً وأنجب أكثر من 100 طفل، تحفة فنية في فن التحنيط. وبأنفه المعقوف البارز، يبدو وجهه المحفوظ منذ 3000 عام وكأنه يتحدى الزمن، بينما تمتد يده في مشهد غريب لتتشبث بالسلطة حتى من وراء القبر.

ورغم أن العالم انشغل طويلاً بالملك الصبي "توت عنخ آمون" لصدفة بقاء مقبرته سليمة، إلا أن رمسيس العظيم كان سيشعر بالاشمئزاز من ذلك؛ فهو الملك الذي لم يترك شيئاً للصدفة، وسعى بجد لنيل المجد الأبدي عبر الحروب، ومعاهدات السلام، وتشييد الصروح الضخمة التي تحمل اسمه.

رمسيس وترامب: فن "تضخم الذات"

يبرز الربط بين رمسيس الثاني ودونالد ترامب كقراءة معاصرة لشخصية الفرعون؛ فإذا كان ترامب يُعرف بنزوعه لوضع اسمه على ناطحات السحاب، فإن رمسيس الثاني قد سبقه بآلاف السنين في معبد "أبو سمبل"، أمر رمسيس بنحت أربعة تماثيل عملاقة بارتفاع 20 متراً، وكلها تصوير لشخصه في معبد مخصص لتكريم رمسيس نفسه.

هذا "التجاهل للواقع" كان مقصوداً في فنه؛ فبينما تكشف المومياء عن ملامح حادة ونظرة ثاقبة، تظهره التماثيل بوجه مستدير ونصف ابتسامة وديعة لبث الطمأنينة والسكينة في نفوس الرعية، في عملية "تجميل سياسي" واضحة. كما عمد رمسيس إلى نقش اسمه بعمق إضافي على الآثار لمنع أي ملك لاحق من محوه أو تغييره، تماماً كما قد يتخيل المرء، من باب السخرية، ترامب وهو يأمر بإعادة تشكيل جبل "رشمور" لتكون جميع صور الرؤساء فيه من نصيبه.

صناعة النصر والخلود البصري

تتجلى عبقرية رمسيس في الدعاية السياسية من خلال نقوش "معركة قادش"، فرغم أن الواقع يشير إلى معركة إمبراطورية معقدة انتهت بمعاهدة سلام مع الحثيين، إلا أن اللوحات التي أمر برسمها تصوره بطلاً وحيداً يذبح الأعداء بمفرده. لقد كان رمسيس شخصية عالمية فرضت اسمها وصورتها المنمقة على التاريخ، تاركاً بصمته حتى في النصوص الدينية كفرعون "سفر الخروج".

في لندن اليوم يثبت عكس رؤية "شيلي"؛ فرغم مرور آلاف السنين، لا يزال رمسيس قادراً على إثارة الضجيج وجذب الحشود. إن عودته في معرض "باترسي" تؤكد أن دقة الدعاية التي انتهجها قد آتت أكلها، ليبقى "ملك الملوك" حاضراً، يفرض على العالم مرة أخرى أن ينظر إلى أعماله، ويقر بعظمته التي رفضت النسيان.